الصفحة 55 من 613

ولما كان الكُتاب عادة لا يحتاج إلى قدر كبير من الثروة لإنشائه والوقف عليه، فقلما تخلو وثيقة وقف خيري من تخصيص جزء من الريع لتعليم عدد من الأطفال، قد يصل في قلته إلى عشرة أطفال، وقد حرص الواقفون على تحديد كل ما يتعلق بالعملية التعليمية في هذه المرحلة، فنجد أنَّ المعلم الذي يقوم بعملية التدريس يطلق عليه عادة المُؤَدِّب أو الفقيه واشترط فيه شروطًا خلقية واجتماعية حددها الواقفون، وكذلك بالنسبة للعريف الذي يساعد المؤدب، كما حددوا ما يجري لكل منهما من رواتب، وكذلك بالنسبة للعلوم التي ينبغي تعلمها، وطرق تدريسها والتربية فيها، فقد حرص الواقفون على تحديدها بدقة بالغة، كذلك حرصوا على تحديد مواعيد الدراسة بكل دقة، وسن هؤلاء الأطفال، وأنه إذا انتهى الصبي من حفظ القرآن وختمه أقيم له احتفال كبير يسمى الأصرفة، ويصرف للصبي مبلغ من المال ليستعين به على المعيشة بعد مغادرة الكُتاب، وأما من يظل به حتى البلوغ دون أن يحفظ القرآن، فكان يصرف ليحل محله آخر، لذلك نجد أنه قد نصت بعض الوثائق على أن يزور الكُتاب طبيب كل شهر، عند تنزيل الأيتام ويكشف على من يظن له البلوغ منهم، فمن وجده قد بلغ، أخبر بحاله حتى يقرر الناظر غيره مكانه (1) .

ومما سبق يتضح دور الوقف في رعاية الناشئة من أيتام المسلمين، وأبناء الفقراء الذين يعجزون عن تحمل تكاليف تعليم أبنائهم، بتوفير الكتاتيب الوقفية التي تكفلت بتعليمهم، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل وفرت مخصصات لهم تعينهم على أسباب الحياة من طعام وكسوة.

(1) محمد محمد الأمين، الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر … مرجع سابق، 264-274.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت