الصفحة 44 من 102

بيريز يعلن هنا تراجعه عن سياسة التوسع الجغرافية ليستبدلها بتوسيع النفوذ والهيمنة لأنه أدرك بأن النمو السكاني غير متكافئ، وبالتالي حتى لو استمر الاحتلال فسيصبح المحتلون مع الزمن أقلية، وهنا نجده ينتقد المتمسكين بحرفية النص التوراتي بالوعد المزعوم بإسرائيل كبرى من الفرات إلى النيل، ليقول بأن الواقع العملي لا يحتمل سوى التوسع لجهة النفوذ والهيمنة بشتى أشكالها بدءًا من الاجتياح الاقتصادي.

إن حكومة بيريز لم تتخل عن قطاع غزة ولن تتخلى لاحقًا عن معظم الضفة إلاّ لأن الكثافة السكانية العربية باتت في مستوى يصعب فيه على العدو أن يضبط الوضع الأمني فيها. إن تصاعد الانتفاضة في الأرض المحتلة جعلت بيريز يعرف تمامًا خطر القنبلة البشرية الفلسطينية عليه، لذلك ترك غزة وسيترك الضفة ليسلم مسألة القمع والأمن الذي لا يستطيع مع حكومته توفيره إلى سلطة فلسطينية دون أن يسمح بوصول هذه السلطة إلى حد الدولة أو ما يقارب الدولة.

يقول بيريز:"قطاع غزة أكثر من كونه منطقة جغرافية فهو مكان ملئ بالسكان يعيشون حياة اقتصادية صعبة، الأمر الذي يجعله بؤرة مشاكل . . . فقد وجدنا أن أفضل طريقة لتخليص أنفسنا من العبء المستحيل الذي اسمه غزّة هو السماح لقيادة مركزية للمنظمة في التواجد هناك ومواجهة مشاكل القطاع مباشرة" (1) .

إن الانسحاب من غزة وعدم اعتماد سياسة ضمها إلى أراضي فلسطين المحتلة عام 1948 سببه الجوهري عند العدو هو ما أعلنه بيريز، وبهذا تتضح صورة المشروع الإسرائيلي الذي يريد أن يفتح باب الحروب الأهلية والفتن. فالعدو عندما شعر باستحالة مسك أمن غزة تحول إلى مشروع تسليمها لسلطة فلسطينية ليضع الأخ في مواجهة أخيه. هذه المؤامرة التي باتت مكشوفة تستلزم الإعراض عن شتى أشكال الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني والعربي ـ العربي لتكون الجهود كلها في خط مواجهة المشروع الإسرائيلي ـ الاستعماري.

(1) بيريز، شمعون، م. س، ص 22، 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت