الصفحة 4 من 30

ولما كانت الحياة الدنيا دارا للابتلاء والامتحان، ومحلا لاختيار الكفر أو الإيمان، وكان الناس فيها متفاوتين مختلفين آجالا وأرزاقا وألوانا وأخلاقا، لما كانت الدنيا كذلك؛ فإن حكمة الله تَظهر في تعريف الخلائق بما يناسبهم من أسمائه وصفاته؛ فالمذنب من العباد إن أراد التوبة سيجد الله غفورا رحيما، والمظلوم سيجده حقا حكما عدلا وليا نصيرا، والضعيف المقهور سيجده قويا عزيزا جبارا قديرا، والفقير سيجد الله رازقا متكلا سميعا بصيرا. وهكذا سوف يجد العباد من أسماء الله وصفاته ما يناسب حاجتهم ويلبي بغيتهم؛ فالفطرة التي فطر الله الخلائق عليها اقتضت أن تلجأ النفوس إلى قوة عليا عند ضعفها، وتطلب غنيا أعلى عند فقرها، وطيبا رحيما عند ذنبها، وسميعا بصيرا قريبا عند سؤالها، ومن هنا كانت لكل مرحلة من مراحل الخلق التي قدرها الحق سبحانه ما يناسبها من أسمائه وصفاته وأفعاله.

وقد يسأل سائل عن العلة في عدم بيان للتسعة والتسعين اسما على وجه العد والحصر في نص واحد؟ والجواب عندنا هو الجواب الذي ذكرناه في بحث الأسماء في الإسلام، ونذكره هنا أيضا في بيان العلة في عدم النص على أسماء الله الحسنى حصرا في الكتاب المقدس، ذلك أن المراد هو دفع الناس إلى المجاهدة في قراءة كلام الله، والارتباط به ذكرا وعبادة، وتحصيل الأسماء اسما اسما، ليؤمنوا بها ويعملوا بمقتضاها، لا أن يتركوا كلام الله ولا يقرؤونه ولا يرتبطون به ويكونون أميين فيه لا يعلمونه إلا أماني، فلا يرجع الشخص إليه إلا في بعض المناسبات، أو الترحم على الأموات، فالعلة إذا هي الحث على المسارعة في الخيرات ورفعة الدرجات، وتتفاوت المنازل في الملكوت والجنات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت