إن أسباب استحقاق الشفعة إذا اجتمعت يراعى فيها الترتيب فيقدم الأقوى, فالأقوى، فيقدم الشريك في نفس العقار ثم الشريط في أرض الحائط المشترك، ثم الشريك في حقوق المبيع الخاصة، ثم الجار الملاصق، وأي ترك الشفعة أو سقط حقه فيها تنتقل الشفعة إلى من يليه في المرتبة (1) ؛ لأن المؤثرَ في ثبوت حق الشفعة هو دفع ضرر الدخيل, وأذاه, وسبب وصول الضرر والأذى هو الاتصال, والاتصال على هذه المراتب, فالاتصال بالشركة في عين المبيع أقوى من الاتصال بما بعدها، وهكذا فيما بعدها، فالترجيح بقوّة التأثير ترجيح صحيح, فإن سَلَّمَ الشريكُ وجبت لمن بعده؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة سبب صالح للاستحقاق إلا أنه يرجّح البعض على البعض لقوة في التأثير, فإذا سَلَّم الشريك التحقت شركته بالعدم، وجعلت كأنها لم تكن فيراعى الترتيب في الباقي (2) .
رابعًا: شرائط وجوب الشفعة:
عقد المعاوضة، وهو البيع أو ما هو في معناه، فلا تجب الشفعة فيما ليس ببيع، ولا بمعنى البيع، حتى لا تجب بالهبة والصدقة والميراث والوصية; لأن الآخذ بالشفعة يملك على المأخوذ منه بمثل ما ملك هو، فإذا انعدم معنى المعاوضة، فلو أخذ الشفيع، فإما أن يأخذ بالقيمة وإما أن يأخذ مجانًا بلا عوض، ولا سبيل إلى الأخذ بالقيمة; لأن المأخوذ منه لم يملكه بالقيمة، ولا سبيل إلى الأخذ مجانًا; لأنه إجبار على التبرع، فامتنع الأخذ بغير المعاوضة أصلًا (3) .
(1) ينظر: مرشد الحيران 1: 81 المادة 103، والوقاية ص789، والهداية 4: 24، وغيرها.
(2) هذا في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه إذا سلم الشريك فلا شفعة لغيره؛ لأن الحق عند البيع كان للشريك لا لغيره ألا ترى أن غيره لا يملك المطالبة؟ فإذا سلم سقط الحق أصلًا. ينظر: بدائع الصنائع 5: 8، وغيرها.
(3) ينظر: بدائع الصنائع 5: 11-12، ودرر الحكام 2: 750، وغيرها.