الصفحة 28 من 63

لو تناولنا بداية التحليل أولي تلك المؤسسات وهي"المؤسسة التشريعية"، لوجدنا أن غالبية البرلمانات العربية أو المجالس التمثيلية لا تحقق الغاية التي أنشئت من أجلها، فهي في حقيقتها لا تعدو أن تكون مجالس استشارية، لم يصل أغلب أعضائها إلى المقعد النيابي عن طريق صندوق الاقتراع، وإن كانوا مرّورًا عليه صوريًا، بل أوصلتهم محاباتهم لسدة الحكم، مما أسهم، وبشكل ملموس في العديد من البلدان العربية، أن يتولى شخص من أصحاب الولاء المطلق رئاسة تلك المجلس لفترة ليست بالقصيرة ولعدة دورات متتابعة، يكون على الأغلب إما أحد أعضاء حزب الرئيس الحاكم البارزين، أو قريبه، أو صهره، أو من أفراد عشيرته، إلى غير ذلك من وسائل الاتصال والاقتران والمحسوبية.

فضلًا عن ذلك النموذج، ففي الأنموذج العربي للمجالس التمثيلية قد لا تجد أحزابًا متنافسة ولا تعددية حزبية، حيث يمنع النظام السياسي كل شكل من أشكال الحزبية والتنافسية السياسية القائمة بينهما، وهو ما تنص عليه الكثير من الدساتير العربية التي إما صدرت بمنحة من الحاكم، أو وردت برغبة أجنبية خارجية رسمت خارطة الطريق إلى تلك البرلمانات المدجّنة، مما يفقدها قدراتها وسلطاتها في مساءلة برلمانية جادة، وحث على تشفيف العمل الحكومي، ومراجعة وإقرار الميزانية العامة أو إبداء رأيها بشأن قرارات خطيرة كقرارات الحرب.

لذلك نجد أن الكثير من حوادث الفساد والنهب المنظّم اقترفها من يسمون أنفسهم بممثلي الشعب، الذين وجدوا أنفسهم في مقاعد نيابية صورية للمصادقة على نهب الحاكم المستبد، فآثروا استغلال مواقعهم للإسراع بقضم ما يستطيعون من كعكة المال العام، تحت ستار مصلحة الوطن والمواطن، والحفاظ على المصلحة العامة التي أصبحت في واقعنا العربي مجرد كلمة من التراث. من ناحية ثانية وبنظرة تحليلية لسلطة أخرى من السلطات الثلاث هي"السلطة التنفيذية"، نجد أنها في النظام السياسي العربي تشغل موقع السلطة المهيمنة على باقي السلطات، حيث يتمتع"الحاكم"فيها بصلاحيات تكاد تكون شبه مطلقة، تعطيه دومًا كلمة الفصل الأخير في جميع القرارات والتشريعات، بحكم ما خوله وأتاحه له الدستور"الذي أضفى عليه كل اللمسات الفنية الجميلة التي تجعل من منصبه مركزًا مطلقًا يسمك بزمتم جميع الأمور".

إضافة إلى السلطات المطلقة للحاكم في النظام المذكور، أصبح ذلك النظام وفي الكثير من الدول العربية يعمل وفق آلية"الأسرة الحاكمة"و"توارث العروش"، مهما كان الشكل الذي وصل فيه الحاكم إلى السلطة: (ثورة شعبية، انقلاب عسكري، إقصاء حاكم، انقلاب الولد على أبيه، ولاية عهد .. الخ) . الأمر الذي يستبعد الشعب ويصادر رأيه التام في اختيار حكامه، مما يتنافى مع قواعد الحكم الصالح التي ينبغي السير على نهجها. وفي الإطار ذاته"للسلطة التنفيذية"، نرى الحكومة في الوطن العربي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت