تمثل الغزو الفكري - عليها طابع لندن وباريس، فينفر منها المسلمون في كل الأرض، يكون الطابع مصنوعا في القاهرة وإسطنبول، فيسهل تقبل الناس له!
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون! فقد كان هدفها المعلن هو قطع الطريق الإمبراطوري بين بريطانيا والهند، ولكن أهدافها الخفية كانت غير ذلك تماما (ولا ينفي هذا وجود التنافس بين بريطانيا وفرنسا، ورغبة كل منهما أن تزيح الأخرى وتأخذ مكانها!) [1] وإلا فما علاقة قطع الطريق الإمبراطوري بين بريطانيا والهند بتنحية الشريعة الإسلامية في مصر وضرب الأزهر بالقنابل من القلعة، واستخدامه اصطبلا للخيل؟! وما علاقة قطع الطريق الإمبراطوري بإثارة النعرة الفرعونية في مصر، ومحاولة اقتلاعها لا من الإسلام وحده ولكن من العروبة كذلك؟!
وإذا كان حديثنا هنا عن التخلف الحربي - والآثار التي ترتبت عليه - فلا بد أن نذكر معركة إمبابة الشهيرة التي وقعت بين نابليون وبين المماليك الذين كانوا يحكمون مصر، ويقومون بحمايتها من الغزو الصليبي. فقد حارب المماليك بشجاعة - ولم تكن الشجاعة تنقصهم - وحاربوا بصلابة وحماسة وإصرار، دفاعا عن مصر، وعن الإسلام. ولكن ماذا تجدي الشجاعة والصلابة والحماسة أمام التفوق الحربي الكاسح؟ لقد كانت مدافع نابليون المتفرقة تحتاج إلى فترة زمنية بين كل طلقة وطلقة، وإذا حميت من توالي الضرب صار مداها أقرب وإصابتها أضعف!
لقد استغرقت المعركة عشرين دقيقة .. تغير بعدها وجه التاريخ!
(7) التخلف السياسي:
وقع الاستبداد السياسي مبكرا في حياة الأمة الإسلامية منذ الدولة الأموية التي اشتدت في ضرب أعدائها السياسيين بحجة القضاء على الفتنة التي نجمت عن مقتل عثمان رضي الله عنه، والنزاع بين علي ومعاوية.
وأيا كانت المبررات، فقد كانت الفرصة مواتية بعد استقرار الأحوال واستتباب الأمر للأمويين أن يعود الحكم الإسلامي إلى صفائه الرائع الذي كان عليه في فترة الخلفاء الراشدين حيث الشورى الإسلامية حقيقة واقعة، والعدل الإسلامي واقع مشهود. وقد كانت فترة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بالفعل عودة إلى ذلك الصفاء النموذجي، وكان يمكن أن تستمر حركة التصحيح حتى تعيد الأحوال إلى صورتها الإسلامية الأصيلة. ولكن الأمويين لم يطيقوا عمر بن عبد العزيز، وسياسته
(1) ظل الصراع دائرا بين فرنسا وبريطانيا حتى اتفقتا في معاهدة سايكس - بيكو على اقتسام النفوذ بينهما، أي اقتسام العالم الإسلامي، وقيام كل منهما - في منطقة نفوذها - بالقضاء على الإسلام هناك!