الصفحة 18 من 63

ولو وقع ذلك لتغير التاريخ!

ولكنه لم يقع .. لأن السنن الربانية لم تكن لتحابي الأمة الإسلامية وهي في انحرافها المتزايد عن طريق الله المستقيم، وإغفالها المتزايد لحقيقة دينها، وحقيقة رسالتها، وقعودها عن اتخاذ الأسباب التي أمرها الله باتخاذها.

ووقع التمكين لأوربا، بما تعلمته من علوم المسلمين .. ثم احتضن اليهود الثورة الصناعية وأداروها بالربا - في غيبة الأمة الإسلامية التي كانت قمينة أن تدير الحركة الصناعية بغير الربا لو أنها كانت في مكانها الصحيح - وأتاح الربا لليهود السيطرة على العالم كله .. والاستيلاء على فلسطين! وكان هذا كله إحدى النتائج التي ترتبت على التخلفين العلمي والاقتصادي للمسلمين!

(6) التخلف الحربي:

سواء كان التخلف الحربي ناشئا من العوامل التي أشرنا إليها آنفا: أي التخلف العلمي والتخلف الاقتصادي والتخلف العقدي، والتخلف الحضاري - وهو ما نرجحه - أو كان السبب كما يقول بعض المؤرخين هو تفكك فرقة الإنكشارية التي كانت تمثل العمود الفقري في القوة الحربية للدولة العثمانية، وعجز الدولة عن تعويضها، فقد حدث التخلف الحربي بالفعل، وحدث في أحرج الأوقات، التي كانت أوربا فيها تزداد قوة في جميع الميادين، ومن بينها الميدان الحربي، فنشأ من ذلك اختلال حاد في ميزان القوى، وصارت الدولة العثمانية هدفا للصليبية من كل جانب، ففرنسا وبريطانيا من جهة تؤلبان النصارى الداخلين في حكم الدولة العثمانية في أوربا وآسيا ليثوروا على الدولة ويستقلوا عنها، وروسيا من جهة أخرى تجتاح الممالك الإسلامية في آسيا، وتستولي عليها، وتفصلها عن دولة الإسلام، وتعمل فيها حقدها الصليبي. ثم لم تكتف الصليبية بذلك، بل سعت إلى احتلال بلاد العالم الإسلامي واحدا بعد الآخر، حتى إذا جاء القرن التاسع عشر الميلادي لم يكن قد بقي من العالم الإسلامي ما لم تدنسه أقدام الصليبيين إلا جسم الدولة العثمانية، وأجزاء من الجزيرة العربية .. وبقية الأرض تحتلها جيوش الأعداء، ولا تكتفي بإذلالها واستعبادها ونهب خيراتها، إنما تسعى - أول ما تسعى - إلى تنحية الإسلام عن الهيمنة على الحياة، وإيجاد بديل غير إسلامي، بل معادٍ للإسلام.

وقد كانت مصر بالذات من أبرز أهداف الغزو الصليبي بالإضافة إلى تركيا، لمحاولة القضاء على الإسلام في صورتيه السياسية والحربية ممثلا في الدولة العثمانية، وفي صورتيه الروحية والثقافية ممثلا في الأزهر، ثم إذا تم إخضاع هاتين القلعتين بالذات، وإبعادهما عن الإسلام، فيمكن حينئذ تصدير الفساد منهما إلى بقية العالم الإسلامي، وبدلا من أن تكون الأفكار المطلوب بثها - والتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت