فاتبعه على ذلك ورثته أهل العلم من أصحابه، فكانوا يبثون العلم، ويقلون الرواية عن رسول الله، يبينون للناس دينهم بأعمالهم ليتبعوهم، وبفتاواهم ليأخذوا بها لا يروون عنه إلا القليل.
وقال ابن وهب سمعت سفيان بن عيينة يحدث عن بيان عن عامر الشعبي عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صِرار فتوضأ ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تَبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامضوا وأنا شريككم. فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا، قال: نهانا ابن الخطاب اهـ رواه الحاكم في صحيحه وغيرُه. فكانوا يبينون بأفعالهم ليُقتدى بها، ويقلون الرواية. فأكثر السنن إنما نقلت بالموقوفات لا المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا دلالة على أنهم يعلمون أن حجة الله في إبلاغ السنة تقوم على الناس بمجرد أقوالهم، ولو لم تكن حجة الله تقوم على من يبلغونهم دين الله إلا بالرواية عن رسول الله لكانت روايتهم إن شاء الله أكثر مما عُلم عنهم، ولكان التواتر في الأخبار أكثر مما هو معدود عنهم، ولكن السنة ما استنوا به دينا بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، فهم القائمون لله على الناس بحجته، العاملون في أمة محمد بسنته، وهذا من الحفظ الذي وعد الله به في كتابه.
وما السنة بيانه بالقول والحض عليه بينوه بالقول، وما تلقوه بالعمل أظهروه كذلك، وما السنة تركه تركوه فلم يشتغلوا به، فكان مجموع عملهم وتركهم دليلا على السنة. وعملهم بعد نبيهم كان كعملهم معه، سنة متَّبَعة وميراثا محفوظا.