وقد اقتصرت في هذا الديوان على ما يحتاج طالب العلم في اختلاف الفقهاء من أمور العمل التي يبتلى بها عموم الخلق، دون أمور السياسات، والفتن والملاحم وأخبار الزهاد ونحو ذلك .. وإنما كانت همتي فيه الجمع والتصنيف، لم أتكلف فيه ترجيح مذهب ولا تعليلا .. ولست هنالك.
وسأُرجئ من هذا المجموع كتبا أفردها بعدُ بالنشر أجزاء إن شاء الله، ككتاب الحدود وغيره، كراهية الطول.
وسميت هذا المصنف"العتيق"، نزعا من وصية ابن مسعود"عليكم بالعتيق"، وهو الأمر القديم فيهم، والسنة الماضية التي كانوا عليها قبل نزول الفتن .. وهو المبتغى من هذا السعي.
وإني لأعلم أني لم أُحط بكل ما حفظ عنهم خُبرا، وأَنّى ذلك لعبد، ولكن حسبي أن الله لا يكلف نفسا إلا ما آتاها. وقد كان مالك والأوزاعي والثوري وأضرابهم يفتون بما انتهى إلى أحدهم من علم الأولين، ثم إذا صح عنده شيء على شرطه أخذ به، ولم يكن ذلك محيلا له عن أن يقول بما انتهى إليه علمه من قبل، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
وما أحوج الناس والدعاة إلى الله خاصة إلى تتبع سبيل المؤمنين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحمل الناس عليه، وإفتائهم بما كانوا عليه، إن كانوا يتحرون هدايةً إلى الصراط المستقيم، وإنما هو التوقيع عن الله والدلالة على سبيل الله.
وما أحوج طلبة العلم إلى الرجوعِ به وبمصطلحاته ومناهجه إلى طريقة الأولين، وهذا لا يتم إلا بمعاشرتهم، وإدمان النظر في آثارهم، ومن عاشر الفحول تفحل.
لكن من قصرت همته عن ذلك، وأحسن الظن بما أحدث الناس بعد ذلك لم يبصر عوار المتأخرين الذين خالفوا السابقين الأولين.