تجسد هذه القصة شخصية الرجل المؤمن الذي أنفق ماله رغبة في الله، وتقديمًا للعمل الصالح, رجاء الفوز بالآخرة, وفي المقابل شخصية الرجل المغتر بما عنده والذي بطر بسبب هذه النعمة، وبالتالي أنكر الآخرة فعاش لدنياه وشهواته.
وقد جمعت الأيام بينهما في هذا المكان الذي حدثت فيه المحاورة.
الرابع: الحوار الجدلي القائم على البراهين، ومنها الحوار والمحاججة التي كانت بين إبراهيم عليه السلام وبين النمرود ملك العراق في زمانه، وهي من أعظم النماذج للحوار الصادق الذي يلزم الخصم، فلا يملك أمامه أن يحير جوابًا، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة / 258) .
يقول معن ضمرة: وهكذا نرى نصر الله للذين آمنوا, ونجد أن الذي حاج إبراهيم في ربه قد واجه أمرًا لا قبل له به، لقد بهت الذي كفر ولم يجرؤ على الرد على مقولة إبراهيم عليه السلام بأن الله يأتي بالشمس من المشرق فئت بها من المغرب، والبهت يأخذ ثلاث صور: الدهشة أولًا، ثم الحيرة ثانيًا، ثم الهزيمة ثالثًا.
لقد انتقل الذي كفر من القدرة على المواجهة إلى مفاجأة الدهشة هذه, وهي الصورة الأولى، ومن المفاجأة والدهشة إلى التحير، لأنه يبحث عن مخرج لنفسه فلم يجد مخرجًا من ورطته، وهكذا تكفي النتيجة وهي الهزيمة [1]
(1) ضمرة: الحوار في القرآن الكريم، ص51.