يقول ابن تيمية: فأما المجادلة الشرعية كالتي ذكرها الله تعالى عن الأنبياء عليهم السلام وأمر بها في مثل قوله تعالى: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ} (هود / 32) ، وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} (الأنعام / 83) ، وقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} (البقرة / 258) ، وقوله: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل / 125) ، وأمثال ذلك فقد يكون واجبًا أو مستحبًا، وما كان كذلك لم يكن مذمومًا في الشرع [1] .
المبحث الثالث
قواعد الحوار
إن الدارس والمتأمل لآيات القرآن الكريم، والتي وردت بأسلوب الحوار، وبقليل من التفكير والتدبر يستطيع أن تستخلص الأسلوب الأمثل، والطريقة السديدة للحوار.
فهو حوار يبحث عن الحق، والحقيقة، ليصل إليهما، ليس انتصارًا ولا إعجابًا، بعيدًا عن المشاغبات والمشاحنات وبدون تهيج للنفوس والعصبيات، فيه التقريب بين النفوس.
يقول الإمام الغزالي: إن الغرض من الحوار هو البحث عن الحق ليتضح، فالحق مطلوب والتعاون على النظر فيه مفيد ومؤثر، هكذا عادة السلف الصالح رضي الله عنهم في تحاورهم، فقد تدعو الحاجة إلى البحث المشترك للتوصل إلى الحق، مثلما حدث بين الصحابة رضي الله عنهم في حوارهم في مسألة الجدة وشرب الخمر [2] .
وقد تنوعت أشكال الحوار في القرآن الكريم، فمنها ما كان بالأسلوب التذكيري الوعظي، ومنها ما كان بالأسلوب الوصفي، ومنها ما كان بالأسلوب القصصي، ومنها ما كان بالأسلوب الجدلي المعتمد على أثياب الحجة.
(1) ابن تيمية: درء التعارض بين العقل والنقل، 7/ 156.
(2) الغزالي: إحياء علوم الدين، 1/ 54.