الصفحة 60 من 119

وقد برع الإمامية في نسبة الروايات إلى أئمة أهل السنة من أجل إثبات التقية - وفق معتقدهم - لا وفق ما ورد في هذه الروايات من سياق، إذ ذكر العلماء أن هذه الآية خاصة عند معاشرة المسلم للكافرين في بلادهم كما قال الرازي وغيره عندما قال: (( إن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض في كل ما يقول، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب ) ) [1] ، ولا نريد هنا استعراض ما قدمناه في الفصل الأول من أدلة بأن التقية جاءت للتخفيف على المسلمين المستضعفين الذين يعيشون في دار الكفر، ولكن نريد أن نبين أن هذه الآية هي في مقام تقرير العلاقة بين المسلمين والكافرين، ولا يمكن أن تتعدى إلى أن تكون صفة للمؤمن كما هو حالها عند الشيعة الإمامية، إذ تعد هذه العقيدة وسيلة للتقرب إلى الله تعالى عندهم.

فقد روى الإمامية عن الرضا أنه قال: (( لا دين لمن لا ورع له، ولا أيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعلمكم بالتقية ) ) [2] ، وروى الطوسي رواية قريبة منها عن أبي عبد الله [3] ، فليس هناك تأكيد في هذه الروايات على معاشرة الكفار بالتقية، بل الأمر على عمومه، وقد وضع الإمامية عقيدة التقية في دينهم من أجل التقية من أهل السنة لا للتقية من الكفار، وهذا ما يقرون به ويعترفون باعتقاده دون خجل أو مجاملة، مع أن الوارد عن أهل البيت خلافه، وأشتهر عليهم صدعهم بالحق، قال أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - فيما رواه عن الإمامية: (( علامة الإيمان إيثارك الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك ) ) [4] ، فأين هم من هذا الكلام الذي يدل على إخلاص قائله مع الناس كافة؟.

(1) التفسير الكبير: 8/ 194.

(2) ابن بابويه، كمال الدين: 2/ 371؛ الطبرسي، مشكاة الأنوار: ص 42؛ الحويزي، نور الثقلين: 5/ 97.

(3) الأمالي: ص 611؛ النوري، مستدرك الوسائل: 12/ 253.

(4) نهج البلاغة (بشرح ابن أبي الحديد) : 20/ 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت