الصفحة 59 من 119

ويقوي هذا التفسير ما ورد بعده في الآية نفسها وهو قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} ، وهذه الجملة معترضة كما ذكر الآلوسي: (( والتعبير بالفعل هنا للاختصار أو لإيهام الاستهجان بذره، ولذا جاء لفظ(شيء) وفيه دلالة على التحقير: أي ليس في شيء يصح أن يطلق عليه اسم الولاية أو الدين )) [1] ، وقد جاءت هذه الجملة المعترضة، في جواب الشرط للتنبيه على سوء العاقبة وفساد الاعتقاد لمن يوالي الكفار على حساب المؤمنين [2] .

مما مر من كلام يمكن القول إن هذه الآية جاءت لتقرير عقيدة الولاء والبراء، وفق شروط محددة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يمكن الخروج عليها إلا بقيد معتبر، أما ما يقال أن هذه الآية عامة للدلالة على التقية مطلقًا خاصة بين المسلمين، والإمامية لا يتحدثون في رواياتهم عن تقية الكفار، بل يركزون رواياتهم على التقية من المسلمين، ويذكرون روايات كثيرة في تفاسيرهم عند هذه الآية ليس في واحدة منها إشارة إلى التقية من الكفار الأصليين، ولم ترد روايات تدل عليها مطلقًا مثل ما رواه الكليني عن أبي جعفر أنه قال: (( التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له ) ) [3] .

وهذا يفرغ الآية من مدلولها الحقيقي الذي ذكره الله تعالى في كتابه؛ لأنه جل جلاله جعل التقية استثناء في الآية وليس إطلاقًا، إذ قال: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} فهنا على ما ذكر علماء التفسير استثناء مفرغ جاء على صيغة الخطاب: (( بطريق الغيبة .. والعامل فيه فعل النهي معتبرًا فيه الخطاب: أي لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم، وقيل استثناء مفرغ من المعول لأجله أي لا يتخذ المؤمن الكافر وليًا لشيء من الأشياء إلا للتقية ) ) [4] ، ونظير هذا قوله تعالى: {من كفرَ بِاللّهِ مِن بعدِ إِيمانِهِ إِلا من أُكرِه وقلبُهُ مُطمئِن بِالإِيمانِ ولكِن مَن شرحَ بالكُفرِ صدرًا} أي لا يكون نطق كلمة الكفر إلا باطمئنان القلب، كما سيأتي بيانه بعد قليل إن شاء الله.

(1) روح المعاني: 3/ 194.

(2) التفسير الكبير: 8/ 192.

(3) الكليني، الكافي: 2/ 217؛ ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه: 3/ 363؛ العاملي، وسائل الشيعة: 16/ 214.

(4) روح المعاني: 3/ 195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت