الصفحة 30 من 119

فقال: لا تشك في إباحة قتل هؤلاء، وحل دمائهم .. ؟، فقلت: لو كان لي شك في استباحة دمائهم لم اقتلهم، فسمعته يقول: أشركني الله تعالى في تلك الدماء والله زيد عمي هو وأصحابه شهيدًا، مثل ما مضى على علي بن أبي طالب وأصحابه رضي الله تعالى عنهم )) [1] ، فلماذا لم يتستر زيد بن علي بالتقية في هذا الموقف؟ ولماذا لم يحمل علماء الإمامية هذه الرواية على التقية؟، بطبيعة الحال لا يمكنهم ذلك؛ لأن التقية لم تكن قد ذاعت وانتشرت كما في الأزمنة التالية، بل أرجح أن هذه العقيدة لم تظهر في زمن جعفر الصادق نفسه، وإنما نسبت إلى زمنه ممن جاء من بعده من رواة الإمامية، قال الآلوسي: (( ففي هذا التشبيه الذي في كلام الإمام جعفر الصادق الناطق بالحق أنه أعتقد أن حال الإمام زيد، وحال الأمير كرم الله وجهه بمرتبة واحدة ومن باب واحد، فلزم من ذلك إن زيدًا في جميع اعتقاداته على الحق، وإن خروجه أصالة لا نيابة صواب، وإلا فلا يسوغ الحكم عليه بالشهادة، وتشبيهه بحال الأمير ) ) [2] .

ومن خلال ذلك يمكن أن نقرر أن مصطلح الرفض كان سابقًا لمصطلح التقية، وبتقديرنا فإن التقية ظهرت بعد قتل الإمام زيد بن علي، أي بعد عام 121هـ؛ وليس قبل هذا التاريخ، لما قدمناه من روايات، ويعضد ما ذهبنا إليه عدم وجود رواية - حتى في كتب الشيعة نفسها - عن علي بن الحسين المشهور بزين العابدين (وهو الإمام المعصوم الرابع عند الإمامية) تصرح بالتقية، بل الوارد عكس ذلك، كما رواه الإمامية عنه في داعائه المشهور، والذين كان يترضى فيه على الصحابة والتابعين بدون استثناء لأحدٍ منهم، فكان يقول: (( اللهم واوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمونا، خير جزائك الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا على قفوا آثارهم والائتمار بهداية منارهم ) ) [3] ، ومن دعائه لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: (( اللهم وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة الذين احسنوا الصحبة وابلوا البلاء الحسن واسرعوا في نصره وسابقوا إلى دعوته واستجابوا لهم حيث فارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به وكانوا منطوين على محبته يرجون تجارة

(1) أمالي الصدوق: ص 349؛ المجلسي، بحار الأنوار: 46/ 171.

(2) سعادة الدارين بشرح حديث الثقلين منشورة في مجلة الحكمة العدد: 20.

(3) الصحيفة السجادية: ص 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت