ونحن نشير بذلك إلى الرواية التي وردت في كتب الإمامية، والتي تثبت في الوقت نفسه، صحة خروج زيد بن علي على بني أمية بشهادة حفيده الصادق، فمن ذلك ما رواه الكليني عن الأحول [1] : (( أن زيدًا بن علي بعث إليه وهو مختف، قال: فأتيته، فقال: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منا، أتخرج معه .. ؟، قال: فقلت له إن كان فهو أباك أو أخاك، خرجت معه؛ فقال لي: أريد أن أخرج فأجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، فقلت: لا أفعل جعلت فداك، فقال: أترغب بنفسك عن نفسي، فقلت: إنما هي نفسٌ واحدة، فإن كان لله في الأرض حجةً، فالمتخلف عنك والخارج معك سواء؛ فقال: يا أبا جعفر كنت اجلس مع أبي في الخوان، فيلقمني البضعة السمينة، ويبرد لي اللقمة حتى تبرد شفقةً عليّ، ولم يشفق عليّ حرّ النار إذ أخبرك ولم يخبرني، فقال: فقلت: خاف عليك أن لا تقبل فتدخل النار، واخبرني فإن قبلت نجوت، وإن لم اقبل لم أبال أن أدخل النار ) ) [2] ، ولا يمكن للمتتبع لروايات الإمامية إلا أن يتعجب من تلك الثقة المطلقة التي ألقيت على روايات الأحول، مقارنة بما قاله الإمام زيد بن علي، بل أن الإمامية يمكن أن يكذبوا زيدًا على حساب تصديق الأحول، ولا يخفى على القارئ سذاجة رد الأحول على زيد بن علي.
ومع ذلك إن نحن سلمنا جدلًا بصحة ما قاله الأحول هنا، فكيف يمكن أن نترك ما قاله فيما بعد جعفر الصادق، الذي غالبًا ما تنسب التقية إلى رواياته، ويؤول بها أكثر كلامه، ونعني به ما رواه فضيل قال: (( كنت مع زيد بن علي في الطريق عند مسيره للمحاربة مع عسكر هشام [3] الطغاة، وبعد شهادة زيد رضي الله تعالى عنه، ذهبت إلى المدينة واجتمعت بالإمام جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه، فسألني وقال: يافضيل أكنت مع عمي حاضرًا في قتال أهل الشام .. ؟!، قلت: بلى، فهناك سألني عن عدد من قتلت منهم، قلت: ستة،
(1) هو جعفر بن عثمان الرواسي الكوفي الأحول ذكره الطوسي في رجال الشيعة وقال روى عن الأعمش وغيره روى عنه محمد بن الحسن الشيباني وبنهم بن بهلول وقال علي بن الحكم كان جليل القدر عند العامة. لسان الميزان: 2/ 119.
(2) الكليني، الكافي: 1/ 257.
(3) هو هشام بن عبد الملك بن مروان، أبو الوليد، الخليفة الأموي القرشي، ولد سنة 72هـ، وأصبح خليفة في سنة 105هـ، قال ابن سعد عن سحبل بن محمد: ما رأيت أحدًا من الخلفاء أكره إليه الدماء، ولا أشد عليه مثل هشام، وقد دخله من مقتل زيد بن علي وابنه يحيى أمر شديد، حتى قال:"وددت لو كنت افتديتهما"؛ مات سنة 125هـ. طبقات ابن سعد: 5/ 326؛ تاريخ الطبري: 4/ 111 وما بعدها؛ سير أعلام النبلاء: 5/ 351.