وقال أيضًا رحمه الله:"قد ينص النبي صلى الله عليه وسلم نصًا يوجب قاعدة ويخفى النص على بعض العلماء حتى يوافقوا غيرهم على بعض أحكام تلك القاعدة، ويتنازعوا فيما لم يبلغهم فيه النص، مثل اتفاقهم على المضاربة ومنازعتهم في المساقاة والمزارعة وهما ثابتان بالنص. والمضاربة ليس فيها نص، وإنما فيها عمل الصحابة رضي الله عنهم؛ ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون أصلا بالنص، ويفرعون عليه، لا يتنازعون في الأصل المنصوص، ويوافقون فيما لا نص فيه، ويتولد من ذلك ظهور الحكم المجمع عليه، لهيبة الاتفاق في القلوب وأنه ليس لأحد خلافه."
وتوقف بعض الناس في الحكم المنصوص؛ فقد يكون حكمه أقوى من المتفق عليه، وإن خفي مدركه على بعض العلماء فليس ذلك بمانع من قوته في نفس الأمر، حتى يقطع به من ظهر له مدركه"اهـ [1] ."
قال ابن تيمية رحمه الله:"العلم المشروع، والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمّا ماجاء عمن بعدهم فلا ينبغي أن يجعل أصلًا، وإن كان صاحبه معذورًا، بل مأجورًا لاجتهاد أو تقليد."
فمن بنى الكلام في العلم: الأصول والفروع، على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة. وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدي الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة. وهذه طريق أئمة الهدى."اهـ [2] "
قال ابن رجب رحمه الله:"ومن ذلك - أعني محدثات العلوم - ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية، ورد فروع الفقه إليها، سواء أخالفت السنة، أم وافقتها، طردًا لتلك القواعد المقررة، وإن كان أصلها مما تأوّلوه على نصوص الكتاب والسنة، لكن بتأويلات يخالفهم غيرهم فيها، وهذا هو الذي"
(1) مجموع الفتاوى (30/ 269 - 270) .
(2) مجموع الفتاوى 10/ 362 - 364).