عقد الإمام الآجري رحمه الله في كتابه"الشريعة"بابًا ترجمته:"ذم الجدال والخصومات في الدين"، أورد فيه جملة من الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا الموضوع، وقال:"لمّا سمع هذا أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، لم يتماروا في الدين، ولم يجادلوا، وحذروا المسلمين المراء والجدال، وأمروهم بالأخذبالسنن، وبما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهذا طريق أهل الحق ممن وفقه الله عزوجل" [1] .
ثم قال:"وبعد هذا نأمر بحفظ السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنن أصحابه رضي الله عنهم، والتابعين لهم بإحسان، وقول أئمة المسلمين مثل: مالك بن أنس، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وابن المبارك وأمثالهم، والشافعي وأحمد بن حنبل، والقاسم بن سلام، ومن كان على طريقة هؤلاء من العلماء رضي الله عنهم، ونبذ من سواهم، ولا نناظر، و لانجادل، و لانخاصم، وإذا لقي صاحب بدعة في طريق أخذ في غيره، وإن حضر مجلسًا هو فيه قام عنه، هكذا أدبنا من مضى من سلفنا."اهـ [2] .
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله موقف السلف أيضًا من ذلك، فقال:"ومما أنكره أئمة السلف: الجدال، والخصام، والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضًا، ولم يكن ذلك طريقة أئمة الإسلام، وإنما أحدث ذلك كما أحدثه فقهاء العراقين في مسائل الخلاف بين الشافعية والحنفية، وصنفوا كتب الخلاف ووسعوا البحث والجدال فيها. وكل ذلك محدث لا أصل له، وصار ذلك علمهم، حتى شغلهم عن العلم النافع".
ثم قال رحمه الله:"وقد ورد النهي عن كثرة المسائل وعن أغلوطات المسائل، وعن المسائل قبل وقوع الحوادث، وفي ذلك ما يطول ذكره."
ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ التنبيه على مأخذ الفقه، ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر يُفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب.
(1) الشريعة للآجري ص55ـ56.
(2) الشريعة ص64.