الصفحة 71 من 205

وقال أيضًا رحمه الله:"وكان أهل الدراية والفهم من العلماء إذا اجتمع عند الواحد منهم من ألفاظ الكتاب والسنة ومعانيها، وكلام الصحابة والتابعين ما يسّره الله له؛ جعل ذلك أصولًا وقواعد يبني عليها، ويستنبط منها؛ فإن الله تعالى أنزل الكتاب بالحق والميزان. والكتاب فيه كلمات كبيرة هي قواعد كلية عامة، تشمل أنواعًا عديدة، وجزئيات كثيرة، و لا يهتدي كل أحد إلى دخولها تحت تلك الكلمات، بل ذلك من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء في كتاب. وأمّا الميزان فهو الاعتبار الصحيح. وهو من العدل والقسط الذي أمر الله بالقيام به كالجمع بين المتماثلين لاشتراكهما في الأوصاف الموجبة للجمع. والتفريق بين المختلفين لاختلافهما في الأوصاف الموجبة للفرق. وكثيرًا ما يخفى وجه الاجتماع والافتراق، ويدق فهمه."

وأمّا أهل الرواية إذا اجتمع عندهم من ألفاظ الرسول وكلام الصحابة والتابعين، وغيرهم في التفسير، والفقه، وأنواع العلوم؛ لم يتصرّفوا في ذلك بل نقلوه كما سمعوه، وأدّوه كما حفظوه، وربّما كان لكثير منهم من التصرّف والتمييز في صحة الحديث وضعفه من جهة إسناده وروايته ماليس لغيرهم"اهـ [1] ."

قال ابن حجر رحمه الله:"قال الأوزاعي:"العلم ما جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يجيء عنهم فليس بعلم". وأخرج أبو عبيد ويعقوب بن شيبة عن ابن مسعود قال:"لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواءهم هلكوا". وقال أبو عبيدة:"معناه: أن كل ما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم". وكان السلف يفرقون بين العلم والرأي؛ فيقولون للسنة: علم، ولما عداها رأي. وعن أحمد:"يؤخذ العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة، فإن لم يكن فهو عن التابعين مخير". وعنه:"ما جاء عن الخلفاء الراشدين فهو من السنة، وما جاء عن غيرهم من الصحابة فمن قال أنه سنة لم أدفعه". وعن ابن المبارك: ليكن المعتمد عليه الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الخبر".

(1) رسالة"جميع الرسل كان دينهم الإسلام"لابن رجب ص34ـ38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت