ولئن كان الفكر البشري قد حاول معالجة هذه القضية فلسفيا في مباحث القيم التي تضم ثلاثية الحق والخير والجمال، فبدت في حقب من التاريخ مغرية براقة، فقد أثبتت التجربة والمتابعة العلمية للتطور البشري تهافت هذه المحاولة وعجزها عن بناء سلوك إنساني راق أو علاقات اجتماعية متكاملة، أو مجتمع سوي رشيد. ولعل أخطر ما ارتكبته هذه المباحث هو تجاهلها للفطرة وقانونها في الصفاء والسواء الأصيلين لها، وهو ما بينه القرآن الكريم بقوله تعالى في الآية الرابعة من سورة التين (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) وبينه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن رب العزة سبحانه وأخرجه مسلم ( وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) ، وقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِه،ِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ) .
وبذلك فقدت الفلسفة جدواها ودورها المرتقب منها، وانكشف عجزها عن بناء منظومة تفسير وتغيير، تساهم في بناء مجتمع نظيف سوي.