فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 176

لذلك تجد العالم ميت القلب ينهى عن المنكر ويغشاه، ويأمر بالمعروف ولا يأتيه، يبشر بالتميز وهو غارق في التحيز، يشتم الظالمين سرا ويواليهم ويخدمهم جهارا، وعظه وإرشاده بهرج خطابي زائف، واحتراف لمصلحة من يدفع، كل همه قرب من الأمراء، ومماراة للسفهاء، وصرف لوجوه الناس إليه، كما هو حال بعض العلماء المعاصرين المعروفين لدى الخاص والعام ممن لم ينج من مدحهم وتزلفهم حاكم، ولم يخل من اقعائهم وانبطاحهم مجلس سلطان.

وهذا يكشف عن خطأ جسيم وقعت فيه بعض الحركات الإسلامية المعاصرة التي ركزت على الجانب التعليمي دون الجانبين الأخلاقي والروحي، وبدل أن تكون منارات لتخريج الدعاة الصادقين والمؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، تحولت إلى معاهد يلتحق بها إلى جانب الطالب الصادق الطالب البارد والخبيث والجبان والخائن، والوصولي والمرتزق والنذل والوضيع، لا يكاد يتميز أحدهم عن غيره إلا بما يحفظه من نصوص، وما يتقنه من فنون القول والحذلقة والتفيهق، حتى إذا جاءت ساعة الرجولة والشهامة والنجدة ارتكسوا في الفتن (صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة ) الحاقة 7 .

وهذا أيضا يشير إلى إحدى نقاط ضعف المبادئ الوضعية والمناهج المادية كالشيوعية مثلا، لأنها باقتصارها على مخاطبة العقول عجزت عن إثارة حماس الأتباع والمريدين ودفعهم إلى مجابهة خصومها والموت في سبيلها، رغم ما اتخذته من أساليب للإقناع والتشجيع، حوارا وجدلا وتحليلا وأدلة عقلية وإغراء ورشوة، فلجأت إلى"الحقد الطبقي"، وهو عاطفة قلبية، تستثيره ضد المستغلين؛ ولكنه لم يكن كافيا لحمل الناس على التضحية والفدائية والموت. وكانت نهاية المطاف إعلان الهزيمة أمام المعسكر الرأسمالي الذي وظف أخس العواطف البشرية الدنيئة المتعلقة بالمال واللذة وشهوات النفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت