تعقبه ومال إلى تقديم الجمع فقال: [لكن فيه خَدْشةٌ، من حيث إن إخراجَ نصٍ شرعي عن العمل به مع إمكان العمل به غير لائق، فالأولى أن يطلب الجمع بين المتعارضين بأي وجه كان بشرط تعميق النظر وغوص الفكر، فإن لم يمكن ذلك بوجه من الوجوه ووجد هناك صريحًا ما يدل على ارتفاع الحكم الأول مطلقًا صير إلى النسخ، إذا عرف ما يدل عليه، وهذا هو الذي صرح به أهل أصول الحديث] (1) .
فعلى هذا أقول إن كان النسخ ثابتًا بدليلٍ صحيح صريح مع توفر شروط النسخ المعتبرة، فإني أقول بالنسخ وأقدمه على الجمع، ولا يعود هذا على كلامي بالبطلان، بل الأصل الجمع ما لم يظهر فيه أن الحديث منسوخ نسخًا غير محتمل، ولذلك إذا تأملنا صنيع كثير ممن قال بهذا الترتيب، وجدت هذا الأصل في كتبهم، كالشافعي في"اختلاف الحديث"حتى الطحاوي في شرح"مشكل الآثار"صار على هذا كما سيأتي في منهجه، مع أنه حنفي، وهذه طريقة أكثر شراح السنة غالبًا، ونجد مسلك المفسرين في ذلك جليًا في الترتيب على هذا النمط، ولذلك قلت في الجملة فهو قيد مهم.
الأمر الثاني: أن احتمال وقوع الخطأ بالنسخ، أو الترجيح أكثر من احتمال الخطأ بالجمع، وذلك لما يقوم عليه النسخ من أسباب احتماليه، ولما يقوم عليه الترجيح من أسباب ظنية، ومن هنا يقدم الجمع على غيره.
الأمر الثالث: أن هذا هو الذي سار عليه أغلب المفسرين للقرآن، وشراح الحديث، فهم يجمعون ما أمكن الجمع عندما يجدون ما يوهم النسخ، ويحرصون على الجمع بين الأدلة ما وجدوا لذلك سبيلًا، ولا يحملون النصوص على النسخ إلا إذا علم التاريخ وتعذر الجمع.
الأمر الرابع: أن الجمع بين الأحاديث المختلفة ينزهها عن النقص، بخلاف الترجيح، فإنه يؤدي إلى ترك أحد الدليلين، وكذلك النسخ، والتخير، وأشد منها التساقط، حيث يؤدي إلى ترك الدليلين.
الأمر الخامس: أن بعض الفقهاء قد أنكروا وجود النسخ، بخلاف الجمع، والتوفيق بين الأدلة فلم ينكره أحد (2) .
(1) الأجوبة الفاضلة ص (184) .
(2) ينظر: التعارض والترجيح"للبزدوي" (1/ 287) .