ومن ثمَّ اختلف أهل الحديث في تعريفهم لمختلف الحديث، فبعضهم أطلق مختلف الحديث على كل تعارض ظاهر سواء أمكن دفع ذلك عنه بالجمع، أو النسخ، أو الترجيح، وبعضهم قصره على ما أمكن الجمع بينه وبين معارضه، وبعضهم توسط، فأطلقه على ما أمكن فيه الجمع بينه وبين معارضه، أو الترجيح، وأخرج النسخ.
وممن أطلق تعريف مُخْتَلِف الحديث ابن الصلاح (1) ، فقال -رحمه الله- في النوع السادس والثلاثين:[معرفة مختلف الحديث. . . اعلم أن ما يذكر في هذا الباب ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يمكن الجمع بين الحديثين، ولا يتعذر إبداء وجه ينفي تنافيهما، فيتعين حينئذ المصير إلى ذلك والقول بهما معًا.
القسم الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بينهما، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يظهر كون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، فيعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.
والثاني: أن لا تقوم دلالة على أن الناسخ أيهما والمنسوخ أيهما، فيفزع حينئذ إلى الترجيح، ويعمل بالأرجح منهما والأثبت، كالترجيح بكثرة الرواة] (2) .
فجعل ابن الصلاح -رحمه الله- مختلف الحديث يعم ما يدفع فيه التعارض بالجمع، أو النسخ، أو الترجيح، وكذا الحافظ ابن كثير (3) (4) وغيرهما. ولذلك
(1) هو تقي الدين ابن الصلاح أبو عمرو: عثمان بن عبدالرحمن بن موسى الكردي الشَّهْرُزُوْرِيُّ الموصلي الشافعي، الحافظ شيخ الإسلام، قال ابن خلكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير، والحديث، والفقه، وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، من تصانيفه: علوم الحديث، وكتاب أدب المفتي والمستفتي، ونكت على المهذب، وطبقات الشافعية. توفي سنة: 643هـ. ينظر: وفيات الأعيان (3/ 243 - 245) ، وطبقات الشافعية الكبرى (8/ 326 - 336) ، وشذرات الذهب (5/ 221) .
(2) علوم الحديث"لابن الصلاح" (284 - 286) .
(3) هو الحافظ الكبير عماد الدين: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصري، ثم الدمشقي الفقيه الشافعي، لازم الحافظ المزي وتزوج بابنته، وسمع عليه أكثر تصانيفه، وأخذ عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية فأكثر عنه، من تصانيفه: البداية والنهاية، وتفسير القرآن العظيم، وجمع المسانيد العشرة، وطبقات الشافعية وغيرها، توفي سنة 474هـ. طبقات الحفاظ (533 - 534) ، وطبقات المفسرين"للأدنروي" (1/ 260) ، وشذرات الذهب (6/ 231 - 232) .
(4) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (480 - 482) .