الباب الرابع:
المبحث الأول:
(شيء من أحوال السلف في المحبة)
شيء من أحوال السلف في باب المحبة:
إن محبة الله غالية، وهي الغاية القصوى من المقامات، التي شمر لها السابقون أزرهم وشدوا مئزرهم، وقد اهتم بها السلف الصالح أيما اهتمام، يقول ابن القيم رحمه الله: «وأما محبة الرب سبحانه فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية، أحلى ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من محبته والأنس به، والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة» (1) .
ولا شك أن كل مؤمن ومؤمنة يجد في قلبه لذة بمحبة الله تعالى وإن كانوا متفاوتين فيها، كما يقول ابن القيم: «وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبة لله تعالى وطمأنينة بذكره، وتنعم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنس بقربه، وإن لم يحس به لاشتغال قلبه بغيره. وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصانه هو بحسب قوة الإيمان وضعفه وزيادته ونقصانه» (2) .
وإن نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - له المثل الأعلى في هذا الباب حيث كان قلبه ممتلئا بمحبته سبحانه تعالى، كما جاء في الحديث أنه كان يدعو بهذا الدعاء المبارك: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ» . قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا» (3)