الْكُتُبِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ الْآيَةَ [4\ 123] ،لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ" [1] "
فنزلت الآية ترجع الأمر للعمل وليس للمكانة، فالكل عند الله عبيده، وهم لديه سواسية، وليس الجزاء تابعًا لأماني الناس ومشتهاهم، بل هو أمر مقدّر من الله - تعالى -تقديرًا بحسب الأعمال.
يقول سيد قطب رحمه الله":إن ميزان الثواب والعقاب ليس موكولا إلى الأماني. إنه يرجع إلى أصل ثابت، وسنة لا تتخلف، وقانون لا يحابي. قانون تستوي أمامه الأمم - فليس أحد يمت إلى الله سبحانه بنسب ولا صهر - وليس أحد تخرق له القاعدة، وتخالف من أجله السنة، ويعطل لحسابه القانون .. إن صاحب السوء مجزى بالسوء وصاحب الحسنة مجزى بالحسنة. ولا محاباة في هذا ولا مماراة: «لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ. مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا .. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ - مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ - فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ - وَهُوَ مُحْسِنٌ - وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» ."
ولقد كان اليهود والنصارى يقولون: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» .. وكانوا يقولون: «لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً» .. وكان اليهود ولا يزالون يقولون: إنهم شعب الله المختار! ولعل بعض المسلمين كانت تراود نفوسهم كذلك فكرة أنهم خير أمة أخرجت للناس. وأن الله متجاوز عما يقع منهم .. بما أنهم المسلمون .. فجاء هذا النص يرد هؤلاء وهؤلاء إلى العمل، والعمل وحده. ويرد الناس كلهم إلى ميزان واحد. هو إسلام الوجه لله - مع الإحسان - واتباع ملة إبراهيم وهي الإسلام. إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا .. [2]
ولعلنا نذكر تلك القصة النبوية الرائعة عن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -،فروى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ المَرْأَةُ المَخْزُومِيَّةُ
(1) - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/ 312)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1127)