الصفحة 95 من 185

وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (آل عمران: 190-194) .

هذا الوصف العظيم من رب العالمين يصور تلك القمة الرائعة. إن ذكر الله لحظة يحدث في النفس آثاره، فما بال الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، أي في جميع أحوالهم؟ كيف يكون أثر هذا الذكر في نفوسهم؟ ‍

ومن جهة أخرى فإن ذكر الله لا يخطر في النفس وهي هابطة منجذبة إلى ثقلة الشهوات. فتلك هي لحظات الغفلة، التي يغفل فيها الإنسان عن ذكر الله، إنما يذكر الإنسان ربه وهو متجه نحو الصعود، فإذا استصحبنا هذا المقياس فكل لحظة ذكر هي في الحقيقة لحظة صعود. فكيف بالذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم أي في جميع أحوالهم، كم صعدوا وكم ثبتوا على الصعود؟ ‍ إنه شيء رائع حقًا حين نتصوره على حقيقته.

إن الصعود أمر شاق على النفس البشرية حتى تتعود عليه‍ لأن قبضة الطين ذات ثقل يميل دائمًا إلى أسفل، ويحتاج إلى رفع مستمر حتى يتوازن، ويحتاج إلى رفع أكثر لكي يغلب دافع الصعود على دافع الهبوط.

حقيقة إن أداة الرفع موجودة في كيان الإنسان، في أعماق فطرته، وهي النفخة العلوية فيه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (ص:71-72) .

ولكن هذا لا ينفي أن هناك جهدًا ينبغي أن يبذل لتدريب هذه الأداة على العمل، وهو الجهد الذي تقوم به التربية، فبينما تعمل الشهوات تلقائيًا في الكيان البشري بطبيعة كونها محببة ومزينة للإنسان، ومثيراتها حاضرة في ألوان المتاع التي تزخر بها الحياة الدنيا، فإن أداة الضبط التي تحبس الشهوات في نطاق معين، لترتفع بالطاقة الحيوية بعد ذلك إلى المجالات العليا، مجالات القيم ومعالي الأمور التي يحبها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت