أما الحديث عن التجرد لله فحديث شائك! وما بنا أن نتكلم في حق أحد بعينه، وما نبرئ أنفسنا، والله وحده هو المطلع على دخائل النفوس: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر: 19) . ولكنا نقول فقط إن ظاهرة التنازع والشقاق والتشرذم التي تحيط بالعمل الإسلامي اليوم تحمل دلالة معينة: أن هناك نقصًا في تربية (( الأخوة الإسلامية ) )في نفوس العاملين في حقل الدعوة، ونقصًا في التجرد الحقيقي لله.
ليس الخلاف في ذاته عيبًا، وإن كان ينبغي أن تكون له ضوابط تضبطه، بحيث لا يصبح تعصبًا لهوى في النفس، أو لشخص من الأشخاص، أو فرقة من الفرق. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يختلفون، ولكنهم لم يكونوا يفترقون، وهذا هو محور القضية. حين نختلف ونحن متجردون لله، متجردون للحق، فسيقل التنازع والشقاق والتشرذم دون شك، وتقل ظاهرة التحزب القائمة اليوم في العمل الإسلامي، والتي تؤدي إلى التعصب للرأي، وللفكر، وللقائد، وللجماعة، وللطريق.
وبطبيعة الحال ليس الاجتماع مطلوبًا في ذاته ولو كان على الخطأ، فالخطأ لا يخدم الدعوة، والإصرار عليه مفسدة، ولكن التجرد في بيان الحق أدعى إلى تأليف القلوب، من التنابذ بدعوى تصحيح الخطأ وإظهار الصواب!
وخلاصة القول: أننا تعجلنا الطريق، وأن أمامنا مشوارًا لا بد أن نقطعه، لنستحق عند الله التمكين.
لقد بين الله لنا طريق التمكين: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} (الأنفال: 62-65)
فتلك شروط أربعة، في أربع آيات متواليات من سورة واحدة، تبين الشروط الأساسية للنصر: وجود مؤمنين صادقي الإيمان، متآلفة قلوبهم، متجردين لله، مستعدين للقتال حين تقتضي ذلك ظروف الجهاد.
فإذا نظرنا إلى واقع الدعوة في ضوء هذه الشرط فسنجد ولا شك أننا قطعنا شوطًا، ولكننا استعجلنا الطريق!