الصفحة 125 من 185

الرفيعة في كل مجال من مجالات الحياة - هي مصداق هذه الحقيقة، فقد كانت هي الامتداد الواقعي لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد انقطاع الوحي، وغياب القائد العظيم صلى الله عليه وسلم بشخصه عن العيون.

وصحيح أن هذه الفترة لم تدم طويلًا، وما كان مقدرًا لها أن تدوم، ولكن الهبوط عنها لم يكن هبوطًا عن الإسلام ولا نهاية للإسلام، كما يرجف المستشرقون وأعداء هذا الدين عامة، إنما كانت هذه الفترة تحليقًا في آفاق سامقة العلو، يعتمد كثير من أعمالها على التطوع النبيل بما هو فوق الإلزام الملزم، المفروض من عند الله ورسوله، فإذا هبط الناس بعد ذلك إلى أرض الالتزام أو قريبًا منها فما هبطوا في الحقيقة، إنما تراخت أجنحتهم عن التحليق فحطوا على الأرض الصلبة يسيرون على الأقدام‍ وحسبهم - بعد أن هبطوا من التحليق في تلك الذرى العالية - ما قاموا به من نشر التوحيد في الأرض، وما أمدوا به البشرية من قيم حضارية عالية، ظلت أوروبا تقبس منها حتى القرن السابع عشر الميلادي، أي بعد الذروة بأكثر من عشرة قرون‍

ولم تكن تلك الفترة مع ذلك مجرد برق لامع أضاء هنيهة ثم اختفى، فضوءه اللامع ما زال ينير الطريق حتى هذه اللحظة، وإلى ما شاء الله بعد‍ إنها ما تزال - بمثاليتها الواقعية - مددًا لأجيال إلى الصعود، فهو دائمًا خير من التقاعس الذي يؤدي حتمًا إلى الهبوط بحكم ثقلة الأرض، وجذبها لمن يركن إليها. وكل حركات الإصلاح والبعث في تاريخ الإسلام - وما أكثرها، والحاضرة واحدة منها - إن هي إلا أثر من آثار تلك الفترة اللامعة التي ما يزال ضوءها ينير الطريق. ومن أجل ذلك بالذات يسعى المستشرقون وأعداء الإسلام عامة إلى محاولة تشويه تلك الفترة ليطمسوا ذلك النور اللامع، ويمنعوا إشعاعه من الوصول إلى الأجيال التي تستضيء به فتنهض إلى الصعود من جديد، وهيهات لجهدهم الخبيث أن يفلح، فهم يعاندون قدر الله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف: 8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت