الصفحة 102 من 185

إنما كان يريد أمرًا آخر أعظم وأجل. يريد أن يربي القاعدة الصلبة التي تنشأ بدورها {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: 110) .

إن الفارق بين أي جماعة من الجماعات المؤمنة التي رباها الرسل الكرام قبل محمد صلى الله عليه وسلم، والجماعة المؤمنة التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم كامن في التكاليف الربانية التي كلف الله بها هؤلاء وهؤلاء، والمهمة المطلوبة من هؤلاء وهؤلاء.

فأما الجماعات المؤمنة السابقة فقد قال الله عنها: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة:5) .

وأما جماعة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كلفهم التكليف ذاته؛ أن يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ثم كلفهم تكليفًا آخر، اختصهم به دون الأم السابقة كلها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران:110) . {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة:143) .

الأمم السابقة أخرجت لتؤمن بالله وتستقيم على الإيمان في ذات نفسها فحسب، وهذه الأمة أخرجت للناس، لتكون نموذجًا تهتدي به البشرية كلها إلى الصراط المستقيم. وفرق في الإعداد والتكوين بين شخص يراد له أن يستقيم في ذات نفسه وفي حدود قوم محدودين، وشخص يراد منه أن يكون نموذجًا يحتذى، لا في داخل قومه فحسب، بل على نطاق البشرية كلها حيثما التقى بها في أي بقعة من الأرض.

وقد يكون الأساس واحدًا: عبادة الله وحده بلا شريك، ولكن يظل الفرق قائمًا بين أساس تريد أن تقيم فوقه بناء صغير الحجم، محدود النطاق، وأساس تريد أن تقيم فوقه بناءً شاهقًا متسع الأرجاء، كلاهما مطلوب فيه الإتقان، وكلاهما يحتاج إلى جهد، ولكن شتان بين أساس وأساس، وجهد وجهد، وإتقان وإتقان.

الفارق نلحظه ابتداءً في كتاب الله.

كل أمة مؤمنة دعيت للإيمان بالله واليوم الآخر، ولكن لا يوجد كتاب من الكتب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت