أَهْلُ العِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَها عَلى مَوَاضِعِهَا) [1] ، فقال عمر: (أَمَا واللهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ لأَقُومَنَّ بذلكَ أَوَلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بالمدِينَةِ) .
وهذا يبين أن مراعاة أفهام الناس عند خطابهم من هدي الصحابة، أمروا به قولًا والتزموه عملًا، فاستعمال بعض المصطلحات التي يفهمها عامة الناس ولا تتعارض في مضمونها مع المعاني الشرعية، لمصلحة شرعية وهي سرعة استجابتهم للخطاب كما فعل النبي (مع عبد الله بن أُبي وأصحابه [2] ، أو لغير ذلك من الغايات، أمر لا إشكال فيه شرعًا من حيث الأصل، طالما لم يكن المقام مقام تأصيل أو فتيا.
وليس المراد بكلامنا استبدال مصطلح الثورة بالجهاد في كل حال، وإنما المراد نفي الضلال والانحراف عمن استعمل هذا المصطلح في الخطابات العامة لغاية مشروعة، فضلًا عن أن يُوصف بتمييع التوحيد!، وأما كلمة الجهاد فالأصل استعمالها وتكرارها على أسماع الناس، لأن الجهاد عبادة ربانية ينبغي تذكير الناس بها في كل موضع وسوقهم إليها، ليقبلوا عليها كما أمرهم ربهم، كذلك فإنه طريق العزة والنصر وعودة أمجاد هذه الأمة.
يقول الشيخ أبو قتادة الفلسطيني: (إنّ الواجب علينا أن نُطلق لفظ الجهاد بين كل كلمة وكلمة، وندندن حوله في كل موقع، لتنقشع الظلمات وتعود الأمة إلى سابق عهدها، عزًّا وتمكينًا وريادة) [3] .
وهذا هو ما تفعله هيئة تحرير الشام، فهي وإن استعملت لفظ"الثورة"في بعض بياناتها لمصلحة ارتأتها، إلا أن لم تتخل عن لفظ"الجهاد"، سواء في بياناتها الرسمية، أو في كلام شيوخها وطلبة العلم والدعاة فيها، ومنشوراتهم وأعمالهم الدعوية وخطبهم المنبرية شاهد على ذلك بما لا يدع مجالًا للجدل.
* هل يصح القول بأن حصول بعض الاختلاف بين جبهة النصرة (فتح الشام) وهيئة تحرير الشام يُعَدُّ انحرافًا:
الجواب على هذا السؤال يعود إلى الفهم الصحيح لمنهج التلقي والتحاكم عند حصول النزاع والاختلاف، فليس من الصواب محاكمة حال هيئة تحرير الشام على حال جبهة النصرة، أو تنظيم القاعدة [4] ، وإنما التحاكم
(1) وهذه كذلك من الأخطاء التي يقع فيها بعض حملة العلم في زماننا، رغم علمهم بهذا الحديث وحفظهم له، فيتحدثون بكل شيء أمام كل أحد، دون مراعاة لأفهام الناس ومدارك عقولهم، ودون مراعاة كذلك لمآلات ذكر مثل هذا الكلام على الملأ، حتى أصبح البعض يطرح كبرى نوازل الجهاد وأسرار الجماعات وقضايا الأمة على الملأ، فيناقشها عامة الناس ويقعوا في جملة من الأغاليط، وأمثلة هذا كثيرة في واقعنا المعاصر.
قال ابن حجر ~ معلقًا على هذا الحديث: (وفيه التنبيه على أن العلم لا يودع عند غير أهله، ولا يُحَدَث به إلا من يعقله، ولا يُحَدَث القليل الفهم بما لا يحتمله) . [فتح الباري، 15/ 660] .
(2) ليس مرادنا تشبيه عامة المسلمين في زماننا بالمنافقين في عهد النبي (- معاذ الله -، وإنما المراد تشابه الغاية في مثل هذا النوع من الخطاب.
(3) بين منهجين، المقال 43.
(4) ليس المراد من كلامنا ذم أي من الجماعتين - جبهة النصرة وتنظيم القاعدة -، فلكل منهما فضل عظيم على الأمة، لا ينكره إلا جاهل أو جاحد، وخاصة تنظيم القاعدة، ولكن المراد تصحيح المفاهيم المغلوطة في أذهان البعض، والمتعلقة بالتحاكم والقياس عند الاختلاف والتنازع في شيء مما يتعلق بالأصول والنظريات والمناهج، وهذا عائد كذلك إلى الخطأ في فهم منهج وأصول التلقي الشرعي.