فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله (سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس) [1] .
والشاهد في ذلك أن خطاب النبي (اختلف بين الموقفين رغم تشابههما، فلما كان المخاطبون كفارًا خاطبهم برابطة الأخوة القبلية، ولما كانوا مسلمين خاطبهم برابطة الأخوة الإسلامية، ولا يعني ذلك التلون في المبادئ أو تمييع الحق كما يفهم البعض في زماننا، وإنما هو من باب مراعاة أفهام الناس ومخاطبتهم على قدر عقولهم، بما يحقق الغاية الشرعية ولا يصادم أصول الدين.
والقصد أن الخطابات أنواع والناس معادن، وينبغي مراعاة تغير نوع الخطاب وأحوال المخاطبين، فخطاب التأصيل أو الفتيا يختلف عن خطاب الدعوة والتحريض، يختلف عن خطاب الإعلام والسياسة، وكذلك الخطاب الذي يكون لأصحاب العلم والفقه والرأي يختلف عن الخطاب الذي يكون للعوام، يختلف عن الخطاب الذي يكون للمنافقين أو الخصوم والأعداء المتربصين، والخطاب الذي يكون للخصوم المحاربين يختلف عن الخطاب الذي يراد منه تحييد الخصوم والأعداء، وغير ذلك من أوجه الاختلاف، وهذا الاختلاف ليس في المبادئ، وإنما هو في الصياغة والألفاظ، وهذا اختلاف مشروع لا إشكال فيه.
ومراعاة أفهام الناس وتغير الخطاب تبعًا لذلك كما أنه من سنة النبي (، فهو كذلك من هدي أصحابه، فقد روى البخاري في صحيحه عن علي بن أبي طالب > قال:(حَدِّثوا الناسَ بما يَعْرِفونَ، أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسولُهُ) [2] ، وروى مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله ابن مسعود > قال: (ما أنتَ بمحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولُهم إلا كان لبعضِهم فِتنةً) [3] .
وفي البخاري عن ابن عباس أن رجلًا قال في موسم من مواسم الحج: (لَو قَد مَاتَ عُمَرُ لقَد بَايعتُ فُلانًا، فَواللهِ مَا كانَتْ بيعةُ أَبِي بَكرٍ إلا فَلْتَةً فَتَمَّتْ) ، فغضب عمر ثم قال: (إِنِّي إِنْ شَاءَ اللهُ لقَائمٌ العَشِّيةَ في النَّاسِ، فمُحَذِّرهُم هَؤلاءِ الذينَ يُريدُونَ أَن يَغصِبُوهُم أُمورَهُم) ، قال عبد الرحمن: (فقلتُ: يَا أَميرَ المؤمِنينَ لا تَفعَلْ، فَإِنَّ الموسِمَ يَجمعُ رعَاعَ النَّاسِ وغَوغَاءَهُم، فَإِنَّهم هُم الذينَ يغلبونَ على قُربِكَ حِينَ تَقومُ في النَّاسِ، وأَنَا أَخشَى أَنْ تَقومَ فتَقولَ مَقَالةً يُطَيِّرُهَا عنكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وأَنْ لا يَعُوهَا، وأَنْ لا يَضعُوهَا على مَواضِعِهَا، فَأَمْهِل حتى تَقْدُمَ المدينةَ، فَإِنَّها دَارُ الهِجرةِ والسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بأهلِ الفِقْهِ وأَشرَافِ النَّاسِ، فتَقُولَ ما قُلتَ مُتمَكِنًا، فَيَعِيَ
(1) السيرة النبوية، 2/ 327 - 329، بتصرف.
(2) صحيح البخاري (3 - كتاب العلم، باب 49: باب من خص بالعلم قومًا دون غيرهم كراهية ألا يفهموا) .
(3) صحيح مسلم (5/ 5) .