وحاجة ذرية آدم إلى الأشياء تدفعهم إلى العمل والتفكير، والتنقيب عن تلك الأشياء، وعمارة الكون وتقدم وسائل الحياة في كل المجالات من زراعة وصناعة وتجارة [1] .
- {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا. وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ {كُلَّها} إِذْ هُوَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِلْإِحَاطَةِ وَالْعُمُومِ [2] .
-رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ فَجَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [3] .
-قوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} أي عرض المسميات، بدليل قوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} ، ولأن الميم علامة جمع العاقل، فلم تعلم الملائكة أسماء تلك المسميات، بل كان جوابهم: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} ، ثم قال تعالى: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} : وأراد عزّ وجلّ بذلك أن يعرف الملائكة أنهم ليسوا محيطين بكل شيء علمًا، وأنهم يفوتهم أشياء يفضلهم آدم فيها [4] .
- {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} قَالَ ابْنْ عَطِيَّةَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ وَعَرَضَهُنَّ عَلَيْهِ مَعَ تِلْكَ الْأَجْنَاسِ بِأَشْخَاصِهَا، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَسَأَلَهُمْ عَنْ تَسْمِيَاتِهَا الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَوهَا [5] .
-قوله تعالى: {أَنْبِئُونِي} :تحدٍّ، بدليل قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أن لديكم علمًا بالأشياء فأنبئوني بأسماء هؤلاء، لأن الملائكة قالت فيما سبق: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} ، فقال تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [6] .
- {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} شَرْطٌ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَأَنْبِئُونِي، قَالَهُ الْمُبَرِّدُ. وَمَعْنَى {صادِقِينَ} عَالِمِينَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِلْمَلَائِكَةِ الِاجْتِهَادُ [7] .
-جواز التحدي بالعبارات التي يكون فيها شيء من الشدة، لقوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [8] .
(1) التفسير المنير 1/ 146.
(2) تفسير القرطبي 1/ 282.
(3) أخرجه الترمذي في سننه، حديث رقم (2955) قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(4) تفسير ابن عثيمين 1/ 120.
(5) تفسير القرطبي 1/ 283.
(6) تفسير ابن عثيمين 1/ 119.
(7) تفسير القرطبي 1/ 284.
(8) تفسير ابن عثيمين 1/ 121.