فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 504

بمن أضيفت له، وتقتضي عناية خاصة، وقد اجتمعتا في قوله تعالى: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [1] : فالأولى ربوبية عامة، والثانية خاصة بموسى، وهارون، كما أن مقابل ذلك"العبودية"تنقسم إلى عبودية عامة، كما في قوله تبارك وتعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [2] وخاصة كما في قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [3] والفرق بينهما أن العامة هي الخضوع للأمر الكوني، والخاصة هي الخضوع للأمر الشرعي، وعلى هذا فالكافر عبد لله بالعبودية العامة، والمؤمن عبد لله بالعبودية العامة، والخاصة [4] .

- {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا} المعنى: أي شي أَرَادَ اللَّهُ، وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ هَذَا: الْإِنْكَارُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ [5] .

- {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا} فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم [6] .

-ديدن الكافرين الاعتراض على حكم الله، وعلى حكمة الله، لقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا} ، وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار [7] .

-قدم اللّه تعالى الإضلال على الهداية في قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} لأن سببه ومنشأه من الكفر متقدم في الوجود، فكان ذلك مناسبا لحال الكفرة، ليكون أول ما يقرع سمعهم من الجواب أمرا يفتّ في أعضادهم، ويهزّ جنابهم، وعبّر عن ذلك بصيغة المضارع المفيدة للاستقبال إيذانا بالتجدد والاستمرار [8] .

-إن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر، لقوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} ، فلو أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون، والمهتدون سواءً، وليس كذلك، لأن بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف ضالون، وواحد من الألف مهتدٍ، فكلمة: {كَثِيرًا} لا تعني الأكثر، وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة لم يلزمه غيرها، لأن"كثير"يطلق على القليل، وعلى الأكثر [9] .

(1) سورة الاعراف: الآيتان 121 122.

(2) سورة مريم: الآية 93.

(3) سورة الفرقان: الآية 1.

(4) تفسير ابن عثيمين 1/ 99.

(5) تفسير القرطبي 1/ 244.

(6) تفسير السعدي 1/ 47.

(7) تفسير ابن عثيمين 1/ 100.

(8) التفسير المنير 1/ 115.

(9) تفسير ابن عثيمين 1/ 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت