-إثبات الحياء لله عزّ وجلّ، لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} . والحياء الثابت لله ليس كحياء المخلوق، لأن حياء المخلوق انكسار لما يَدْهَمُ الإنسان ويعجز عن مقاومته، فتجده ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يُستحيا منه، وهو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محله [1] .
- {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا} أي: أيَّ مثل كان {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا، جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك. فليس في ذلك محل اعتراض. بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم. فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر [2] .
-قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} أي لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلًا ولو كان مثلًا حقيرًا ما دام يثبت به الحق، فالعبرة بالغاية [3] .
- {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها} الْمَعْنَى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ، ومَا دُونَهَا [4] .
-البعوضة من أحقر المخلوقات، لقوله تعالى: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} ، ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقض مضاجع الجبابرة، وربما تهلك: لو سُلطت على الإنسان لأهلكته وهي هذه الحشرة الصغيرة المهينة [5] .
-اشتمال القرآن الكريم على ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل ونحوها من المحقرات مما قد لا يليق- في زعم المشركين- بكلام الفصحاء، لا يقدح في فصاحة القرآن، ولا يخلّ بكونه معجزا، لأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة [6] .
-قوله تعالى: {فَمَا فَوْقَهَا} : أي فما فوقها في الحقارة، أو فما فوقها في الارتفاع [7] .
- {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} فيتفهمونها، ويتفكرون فيها. فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم [8] .
-إثبات الربوبية الخاصة، لقوله تعالى: {مِنْ رَبِّهِمْ} ، واعلم أن ربوبية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وتقتضي التصرف المطلق في العباد، والخاصة هي التي تختص
(1) تفسير ابن عثيمين 1/ 99.
(2) تفسير السعدي 1/ 47.
(3) تفسير ابن عثيمين 1/ 96.
(4) تفسير القرطبي 1/ 243.
(5) تفسير ابن عثيمين 1/ 99.
(6) تفسير المنير 1/ 113.
(7) تفسير ابن عثيمين 1/ 96.
(8) تفسير السعدي 1/ 47.