خَطَر على قلْب بشَر؛ {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 169 - 170] ، هذا هو التغيير المنشود.
• مُصعَب بن عُمَير، نشأ في الحِلية، ورُبِّي في الرفاهية والنِّعمة، بيْن أبوين يُحبَّانه أشدَّ الحب، ويَحْنوان عليه أعظمَ الحنو، يَغذوانه بأطيبِ الطعام، ويَكسوانه بأحسنِ اللِّباس، وينشران عليه أجنحةَ العطف والإيثار، والرِّعاية والتدليل، فتًى مُنعَّم مدلَّل كهذا، ما الذي يجعله يَدَعُ هذه الحياةَ اللذيذة، الهادئةَ الهانئة، إلى حياةِ خُشونة وبأساء، وزلزلة وجِهاد، وغُرْبة وهِجرة؟!
ما الذي جعَلَه يرْضَى بمفارقة الأهْل والوطن، ويرغب عنِ الثروة والجاه، ويفرُّ بدِينه مهاجرًا إلى الحَبَشة ثم إلى المدينة، حتى يموتَ في دار الهِجرة شهيدًا في غزوة أُحد، فلا يَجِد المسلمون له ثوبًا يَكْفِي لغطاء جسده، كل الذي وجدوه ثوبٌ قصير، إذا غُطِّي به رأسُه بَدَتْ رِجلاه، وإذا غُطِّيت به رجلاه، بدَتْ رأسه؟! لا شيءَ إلا الإيمان.
يَرْوي ابن سعد، عن محمَّد بن شُرَحْبيل العَبْدري - أحد أقرباء مُصعَب - هذه الكلماتِ في وصْفه، يقول: كان مصعبُ بن عُمَيْر فتَى مكة شبابًا وجمالًا وسبيبًا، وكان أبواه يُحبَّانه، وكانتْ أمُّه مليئةً كثيرةَ المال، تكسوه أحسنَ ما يكون من الثياب وأرقَّه، وكان أعْطر أهل مكَّةَ، يلبس الحضرمي من النِّعال، فكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يدْعو إلى الإسلام في دارِ الأرْقم بن أبي الأرْقم، فدخَلَ عليه فأسلم وصدَّق به، وخرَج فكتَم إسلامَه؛ خوفًا من أمِّه وقومه، فأخذوه فحَبَسوه، فلم يزلْ محبوسًا حتى خرَجَ إلى أرْض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجَع مع المسلمين حين رَجَعوا، فرَجَع متغيِّرَ الحال، قد حرج (غلظ) .
• عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه وأرضاه - الذي كان جبَّارًا في الجاهلية، يرقُّ قلبُه لكلمات الله في سورة طه، فيستجيب لصوتِ القرآن، ويُلبِّي نداآلإيمان، فلمَّا أسلم كان يقول: لو أنَّ بغلةً عثرت على شطِّ العراق، لسألني الله عنها: لِمَ لم تمهِّدْ لها الطريقَ يا عمر؟!