الله لمنزلته، فإذا حافَظ الإنسانُ على هذه النِّعم، زاد مِن شُكْرها، وأدَّى ما عليه مِن حقوقها، بارَكَ الله له فيها، وأرْضاه الله بها، وبدَّله في الآخِرة أفضل منها.
وإذا ما غيَّر الإنسان وبدَّل، فجَحَد بها، وكفرَها، وردَّها، تحوَّلتْ منه إلى غيره، وغيَّر الله حالَه ومآله؛ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [إبراهيم: 28 - 29] ، بل وينتظره العذابُ الشديد يومَ الوعيد؛ {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] .
سُنَّة التغيير ماضية إلى يوم الدين:
يقول الله - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11] ، يقول الإمام ابن القيِّم - رحمه الله - تعليقًا على هذه الآية الكريمة:"مِنَ الآفات الخفيَّة العامَّة أن يكون العَبْد في نِعمة أنعَمَ الله بها عليه، واختارها له، فيملّها ويَطلب الانتقالَ منها إلى ما يزعُم - لجهله - أنَّه خيرٌ له منها، وربُّه برحمته لا يُخرِجه من تلك النِّعمة، ويَعذِره بجهله وسوءِ اختياره لنفْسه، حتى إذا ضاق ذَرْعًا بتلك النِّعمة وسَخِطها وتبرَّم بها، واستحكم مَللُه لها، سَلَبه الله إيَّاها، فأكثرُ الناس أعداءُ نِعم الله عليهم، ولا يَشْعُرون بفتْح الله عليهم نِعمه، وهم مجتهدون في دفْعها وردِّها؛ جهلًا وظلمًا!"
فكَمْ سَعَتْ إلى أحدهم مِن نِعمة، وهو ساعٍ في ردِّها بجهده، وكم وصلَتْ إليه وهو ساعٍ في دفْعها وزوالها بظُلْمه وجهْلِه!
وَعَاجِزُ الرَّأْيِ مِضْيَاعٌ لِفُرْصَتِهِ = حَتَّى إِذَا فَاتَ أَمْرٌ عَاتَبَ الْقَدَرَا
حوَّل اللهُ النِّعمة من قوم لم يقدروها، ولم يَشْكروها، إلى غيرهم؛ {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28] ، ورَّث الله آخرين جنَّاتِهم وعيونَهم وزروعَهم، ومقاماتِهم ونِعمَهم.
وذهب الجاحدون غيرَ مأسوف عليهم، لا تتَّسع لهم قبور، ولا تبْكي عليهم أرْض، ولا يبش لهم ربُّ السموات؛ {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} [الدخان: 29] .