فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 80

(249) وأمَا صناعة الخطابة فإنّ أ كثر مخاطباتها لا بالسؤال والجواب، وإنّما تستعمل السؤال حيث ترى أنّ السؤال انجح في اقتصاص مثل. وكذلك صناعة الشعر. وهما يقتصران من"هل هو موجود"و"هل كذا موجود كذا"على الأشهر من معاني الموجود وما هو من معانيه مفهوم في بادئ الرأي: أمّا في قولنا"هل كذا موجود كذا"فعلى أنّه رابط فقط، وأمّا في قولنا"هل كذا موجود"فعلى معنى هل هو محسوس أو هل هو ملموس وهل له أثر محسوس وهل له فعل محسوس. فإنّ معاني الموجود هي هذه كلّها عندهم. ولذلك كلّ ما كان خارجا عن هذه كلّها كان عندهم غير موجود. ولذلك صارت الأجسام التي محسوساتها قليلة أو هي أخفى بالحسّ هي عندهم في حدّ ما هو غير موجود، مثل الريح والهواء والهباء. والخطابة تستعمل حرف"هل"على ما وُضع للدلالة عليه أوّلا، وتستعمله على طريق الاستعارة. وأمّا حرف"لِمَ"وحرف"ما"فإنّها لا تستعملها في السؤال إلاّ على طريق الاستعارة فقط. وحرف"أيّ"وحرف"كيف"فربّما استعملتهما في الدلالة على معانيهما الأول. وأ كثر ما تستعملهما إنّما تستعملهما أيضا على طريق الاستعارة. وبالجملة فإنّ صناعة الخطابة تستعمل جميع هذه الحروف على طريق الاستعارة.

(250) ونقول الآن في الأمكنة التي يقال يقال فيها هذه الحروف على طريق الاستعارة والتجوّز والمسامحة. فالتجوّز والمسامحة إنّما تُستعمَل في الصنائع التي يحتاج الإنسان فيها إلى إظهار القوّة الكاملة في غاية الكمال على استعمال الألفاظ، فيعرّف أنّ له قدرة على الإبانة عن الشيء بغير لفظه الخاصّ به لأدنى تعلّق يكون له بالذي تُجعَل العبارة عنه باللفظ الثاني، أو له قدرة على استعمال اللفظ الذي يخصّ شيئا مّا على ما له تعلّق به ولو يسيرا من التعلّق، وليُبين عن نفسه أنّ له قدرة على أخذ اتّصالات المعاني بعضها ببعض ولو الاتّصال اليسير، ويبيّن أنّ عباراته وإبانته لا تزول ولا تضعف وإن عبّر عن الشيء بغير لفظه الخاصّ بل بلفظ غيره. وأمّا الاستعارة فلأنّ فيها تخييلا وهو شعريّ.

(251) والصناعة التي حالها هذه الحال هي صناعة الخطابة وصناعة الشعر. فلذلك ينبغي أن يُعرَف كيف تستعمل هاتان الصناعتان هذه الحروف على طريق الاستعارة والتجوّز وأين تستعمل ما تستعمل منها على معانيها الأول وكيف مستعملها. ومن المشهور عند الجميع في بادئ الرأي أنّ الشيء الذي يقال إنّه مفرط في الخسّة والقلّة والهوان، وفي كلّ شيء كان في حيّز العدم، تدلّ معاني العبارة عنه باسمه الخاصّ أنّه ليس بشيء أصلا - يريدون أنّه ليس له ذات أصلا وأنّه ليس داخلا تحت نوع ولا جنس أصلا - فإنّه لذلك مجهول الذات أصلا لا يمكّن أحدا أن يُجيب عنه ما هو. وما هو مفرد في العِظَم والكثرة والجلالة من أيّ شيء كان يقال فيه"إنّه كلّ"- يريدون أنّ له ذات كلّ ما له ذات وأنّه داخل تحت كلّ نوع. وأيضا فإنّ كلّ ما هو جليل جدّا فإنّه يفوق طباع الإنسان أن يعرف ماهو وما ذاته، وذلك بحيث لا يمكّن أحدا أن يُجيب عنه ماهو أصلا حتّى يصف ما هو أقصى ما هو به موجود أيضا. وأيضا فإنّ كلّ صناعة من الصنائع القياسيّة الخمس فيها ضرب أو ضروب من السؤال خاصّ بها، ففي الفلسفة سؤال برهانيّ وفي الجدل سؤال جدليّ وفي الفلسفة سؤال سوفسطائيّ وفي الخطابة سؤال خطبيّ وفي الشعر سؤال شعريّ. والسؤال الذي في كلّ صناعة هو على نوع ونحو وبحال مّا على غير ما هو في الأخرى. وللسؤال في كلّ صناعة أمكنة ينجح فيها وأمكنة لا ينجح فيها. فلذلك إنّما يصير ذلك السؤال نافعا وفي تلك الصناعة متى استُعمل في الأمكنة التي فيها ينجح وعلى النحو الذي ينجح. فالسؤال الجدليّ يكون بتصريح المتقابلين أو تكون قوّة ما صُرّح به قوّة المتقابلين. وكذلك في كثير من الصنائع. وأمّا السؤال الخطبيّ فمن ضروب سؤالاته أن يكون بأحد المتقابلين فقط.

تمّت رسالة الحروف للفيلسوف أبي نصر الفارابيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت