وإني لأعلم أن في كرم الله مُستغاثا لكل مذنب، ولكن كيف لي بحسرة السِّبَاق؟ قال: قلت: وما حَسرة السباق؟ قالت: غَداة الحشر إذا بُعثر ما في القبور، ورَكِبَ الأبرار نجائب الأعمال فاستَبَقوا إلى الصراط، وَعِزَّةِ سيدي [1] لا يَسبق مقصِّر مجتهدا أبدا، ولو حبا المُجِّد حَبْوًا، أم كيف لي بموت الحزن والكمد إذا رأيت القوم يتراكضون وقد رُفعت أعلام المحسنين، وجاز الصراط المشتاقون ووصل إلى الله المُحِّبون، وخُلِّفْتُ مع المسيئين المذنبين؟ ثم بكت وقالت: يا خالد: أنظر لا يقطعك قاطع عن سرعة المبادرة بالأعمال، فإنه ليس بين الدارين دار يُدرِك فيها الخُدَّام ما فاتهَم من الخدمة، فويل لمن قصَّر عن خدمة سيده، ومعه الآمال، فهلا كانت الأعمال توقظه إذا نام البطَّالون [2] ؟
علِّم غيرك كل الفضائل التي قرأتها في هذا الكتاب، وانشرها بين الناس، فذلك أحد الوسائل الأخرى التي ستنجيك من كرب الإحراق على الصراط، وتنير لك طريقه المظلم بإذن الله تعالى، إذ الدال على الخير كفاعله.
أسال الله العظيم رب العرش الكريم، أن ينجينا جميعا من كُرب يوم القيامة عامة، ومن كَرب الصراط خاصة، وأن يدخلنا مدخلا كريما، وأن لا يعاملنا بما نحن أهله، وأن يعاملنا بما هو أهله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على الشفيع الحبيب، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه: أبو عمر
5/ 5/1427هـ
الأحساء: ص. ب. 1153
(1) أقسمت الجارية بالله عز وجل وليس بسيدها خالد الوراق كما يتبادر للذهن، فقد جاء عن عبد لله بن الشخير رضي الله عنه قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (السيد الله تبارك وتعالى) ، قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان) [رواه الإمام الأحمد -الفتح الرباني- (19/ 300) ، وأبو داود (4806) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (4021) ] ، وأما القسم بالمخلوق فهو شرك أصغر ويُعد من كبائر الذنوب.
(2) صفة الصفوة لابن الجوزي (2/ 264) .