إن تتابع محاولات الاحتواء التي تجري اليوم تحت أسماء مختلفة تحاول أن تصورنا في صورة الأمن الخادع ظنًا منا أننا قد امتلكنا إرادتنا فلا خوف من صهرنا في بوتقة الأممية العالمية أو القضاء على تميزنا وخصوصياتنا، التي أعطانا إياها الإسلام منذ أربع عشر قرنًا، والتي ما تزال هي أخطر مايجب الحفاظ عليه وحمايته والتضحية بكل شيء في سبيل الدفاع عن هذه الخصوصية وهذا التميز فهو عنوان إسلامنا الذي ندافع عنه بالأرواح وبالأجساد المتراصة.
إن مهمتنا الحقيقية هو (البناء على الأساس) لسنا نطالب بالعودة إلى الماضي أو إحياء التاريخ ولكنا ندعو إلى التماس أصول منهجنا الذي بني عليه كياننا منذ أربعة عشر قرنًا: هذا المنهج المرن الواسع الأطر القابل لمتغيرات العصور والبيئات دون أن يتهم بالجمود أو التطرف إن النفوذ الأجنبي بهذه الجريمة التي ارتكبها منذ مائة سنة حين حجب منهجنا الإسلامي وشريعتنا وهدم وحدتنا الكبرى قد خالف طريقنا وفتح أمامنا السبل المتفرقة المضطربة وقسم عقيدتنا ومزق وجهتنا بين مذاهب وايدلوجيات بشرية مضطربة وقع الغرب في منزلقها لأنه اختار أن يترك ميراثه السماوي جملة، أما نحن المسلمون فقد وجدنا أنفسنا على الجادة إزاء رسالة خالدة وكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومنهج أصيل جامع وتاريخ عريق تتمثل فيه تجربة المسلم في سبيل بناء المجتمع الرباني (وإن لم يصل بعد إلى تحقيقها على الوجه الصحيح) .
فإذا نحن طالبنا أن نزيل هذه المرحلة المظلمة من التبعية للغرب حين فرض علينا قانونه الوضعي ونظامه الربوي ومنهجه العلماني ارتفعت الأصوات تصفنا بالجمود والتخلف والرجعية، وما نحن من ذلك كله في شيء، ولكنا فور أن نصحح الخطأ ونزيل تبعية فرضت ولم نقبل بها يومًا واحدًا من أيام حياتنا الماضية وكنا نتطلع في كل صباح لأن نعود إلى المنابع ونلتمس أصالتنا ونلتمس طريقنا الأصيل عملًا بالآية الكريمة.