ولهؤلاء أقول: إن الاختلاط إذا أطلق -عن بعض أو كل قيود الشريعة- محرم عند أهل العلم من حيث الأصل، ومن أدلة ذلك أمر النساء بالقرار في البيوت [1] ، مع منع الرجال من الدخول عليهن [2] ، وقوله صلى الله عليه وسلم المرأة عورة [3] ، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام: فاتقوا النساء [4] ، وقصة سالم مولى حذيفة والتحرج من دخوله على سهلة رضي الله عنهم مع تبنيه ونشوئه في حجر حذيفة زوجها [5] ، إلى غير ذلك من الأدلة التي جمعها بعض أهل العلم في رسائل ومؤلفات مستقلة ولا يتسع المقام لسردها فضلًا على بيان أوجه دلالتها [6] .
الاختلاط المقيد:
(1) كما في آية الأحزاب: 33.
(2) كما في حديث عقبة بن عامر المتفق عليه: إياكم والدخول على النساء، البخاري (4934) ، ومسلم (2172) .
(3) صحيح بن خزيمة 3/ 93، ورواه أيضًا في التوحيد من حديث قتادة عن مورق وقد صحح رفعه الإمام الدارقطني كما في العلل له (5/ 314) ، وقد رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه من طريق ابن خزيمة 12/ 413، وكذلك الهيثمي في موارد الظمآن 1/ 103، ورواه الترمذي في السنن وقال: حسن غريب (3/ 476) إلاّ أن المنذري قال في الترغيب والترهيب 1/ 142:"رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب"وهذا تصحيح من الإمام الترمذي له، ولعله كذلك في بعض نسخ الجامع ومما يؤيده نقله من قبل غير المنذري كالزيلعي في نصب الراية 1/ 411 وكذلك ابن الهمام في فتح القدير 1/ 259 وكذلك ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية 1/ 123 نقل تصحيحه عنه ويبعد وهم هؤلاء جميعًا، وقد عزاه المنذري في الترغيب والترهيب 1/ 141 للطبراني في الأوسط وقال رجاله رجال الصحيح، وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2/ 34 وقال في التي بعدها: رجاله موثقون، وهو في الأوسط للطبراني 8/ 101، وفي الكبير 10/ 108، وقد صحح هذا الحديث الدارقطني والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وجوده ابن كثير (التفسير 3/ 483) والمنذري والهيثمي وغيرهم، والظاهر أنه صحيح وقد خالف همامًا سليمان بن المعتمر فرواه عن قتادة عن أبي الأحوص، ولهذا شك ابن خزيمة في سماع قتادة هذا الحديث خاصة عن مورق، والأقرب صحة سماعه له منه، فالرواي عن قتادة همام، ولئن كان سليمان أجل وأوثق في الجملة فإن همامًا من أوثق الناس في قتادة خاصة، فهو رابع أربعة في قتادة لا يقدم عليه فيه إلاّ ابن أبي عروبة وهشام وشعبة (انظر الكامل 7/ 129، وتهذيب الكمال 30/ 306، والجرح والتعديل 9/ 108 وغيرها) ، خاصة إذا حدث عن همام من روى عنه متأخرًا لكونه من كتابه، وعمرو بن عاصم من طبقة من رووا عنه أخيرًا كعفان بن مسلم وحبان وبهز، وقد احتج البخاري برواية عمرو بن عاصم عن همام عن قتادة في خمسة مواضع من صحيحه، ويعزز صحة رواية همام أيضًا متابعة سعيد بن بشير وسويد بن إبراهيم -ووالأقرب أنهما صالحين للاعتضاد- لها فهو لم يتفرد بها عن قتادة والله أعلم، وقد صح الأثر عن ابن مسعود موقوفًا كذلك، فلعل بعض الرواة مرة رفعه ومرة أخرى وقفه، ومثله إخبار عن غيب لعله لايقال بالرأي والله أعلم.
(4) صحيح مسلم (2742) .
(5) متفق عليه؛ البخاري (4800) ، ومسم (1453) .
(6) منها رسالة مختصرة في حكم الاختلاط للشيخ محمد بن إبراهيم جمع فيها تسع عشرة دليلًا على تحريم الاختلاط، وقد أفردت في رسالة مستقلة وهي في مجموع فتاواه رحمه الله 10/ 35، وفي كتابي الاختلاط بين الجنسين بيان أوجه دلالة بعضها بشيء من البسط.