خالد المزيني
هناك تحديات كبيرة تقف أمام الفقه الإسلامي المعاصر، والمؤسسات المنتسبة إلى هذه المرجعية، كالمؤسسات المالية الإسلامية، وغيرها من المؤسسات الربحية المستندة إلى مرجعية إسلامية، ويتمثل هذا التحدي في مدى قدرة هذه المؤسسات على الصمود في السوق، مع الاحتفاظ بالقواعد الأخلاقية التي ترفع شعارها، وذلك بعد أن تحوّلت الصناعة المالية الإسلامية إلى صناعة صاعدة مدفوعة بالانكماش الكبير الذي لا يزال يخنق الاقتصاد الليبرالي.
وهذا يتطلب من مؤسسات المال الإسلامية: تقديم خدمات نوعية قابلة للحياة، تجمع بين: الاحترافية المهنية، والمعيارية الشرعية، وتتسم بقدر من المخاطرة العاقلة، فلا هي مضمونة الفائدة: كأدوات الربا، ولا هي عالية المخاطرة: كأدوات المقامرة.
وهذا ممكن لو توفّر لهذه المؤسسات الإدارة الجادة في تبني الحلول الإسلامية، والهيئة الشرعية الواعية بفقه الشريعة، والرقابة الشرعية الحثيثة، التي تتابع تنفيذ ما تقره تلك الهيئات.
ولا يقلل من شأن هذه التحديات أن العالم اليوم يرمق تلك المؤسسات، وهو مثخن بجراح الانكماش الائتماني، ويتوقع أن تقوم صناعة المال الإسلامية بدور ما لإصلاح الأعطاب التي أحدثتها المؤسسات الليبرالية، على صعيد الاقتصاد.
ومن المدهش أن تنبعث أصوات شتى تستنجد بالاقتصاد الإسلامي، وقد قرأنا الكثير منها، وكان من أعجبها المقال الذي نُشر في السابع من مارس 2009م، في صحيفة الفاتيكان الرسمية، داعيًا البنوك في مختلف أنحاء العالم إلى أن تتبنى مبادئ المصرفية الإسلامية، لاستعادة الثقة بالاقتصاد العالمي.
ومما نشرته (لوريتا نابوليوني) ، وهي اقتصادية إيطالية، و (كلوديا سيجري) ، وهي محللة إستراتيجية لاستثمارات الدخل الثابت في البنك الاستثماري الإيطالي (أباكس بانك) ، أن"المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها المصرفية الإسلامية ربما تعمق العلاقة بين البنوك وعملائها، وتجعلها أقرب إلى الروح الحقيقية التي ينبغي أن تكون شعار كل خدمة مالية". اهـ [نقلًا عن جريدة الاقتصادية (العدد 5699 (] .
ومما يزيد المتابع عجبًا أن هذه الفتاوي الكاثوليكية جاءت في الوقت المناسب لترد بطريق غير مباشر على مطالبات بعض المحافظين واليمينيين في الولايات المتحدة الأمريكية بالحد من انتشار الصناعة المالية الإسلامية.
إن الفقه الإسلامي أكثر رحابة ومتسعًا مما يظنه بعض أبنائه المعجبين بتجارب أعدائه، لكن إحدى المشكلات تكمن في توجه مؤسسات الصناعة المالية الإسلامية إلى الأدوات المشبوهة، ويبدو أن من أسباب المشكلة العقلية النفعية التي يفكر بها بعض القائمين على تلك المؤسسات، فليس كل من يرفع شعار الإسلام يكون مقتنعًا به، مؤمنًا بمبادئه دائمًا، هناك رواد مؤمنون بالنموذج الإسلامي، ويتبنون النهج الإسلامي بوصفه دينًا، قبل أن يكون طريقة لجمع المال.
وثمة شريحة أخرى تؤمن إيمانًا براجماتيًا، فالفكرة التي تدرّ ربحًا أكثر هي الفكرة الأصح الأجدر بالتعاطي دائمًا، بغض النظر عن مدى أخلاقيتها وانسجامها مع قواعد الشريعة. فإذا كان الاستثمار في الأدوات الإسلامية مجديًا فهم على هذا ملتزمون بالمعايير الإسلامية، وإذا تغير المؤشر تغيروا، وسرعان ما يتحولون من مجال استثماري إلى آخر لمجرد كونه أجدى نفعًا، وأوفر ربحًا.