الصفحة 86 من 102

يقول ابن الوزير:"فإذا تورع الجمهور من تكفير من اقتضت النصوص كفره، فكيف لا يكون الورع أشد من تكفير من لم يرد في كفره نص واحد، فاعتبر تورع الجمهور هنا، وتعلم الورع منهم في ذلك". [1]

ويستشهد ابن القيم بقصة الرجل الذي أمر بإحراق نفسه على عذر الله للمتأول، فيقول:"وأما من جحد ذلك جهلًا، أو تأويلًا يعذر فيه صاحبه، فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا". [2]

يقول ابن الوزير عن هذا الدليل:"وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل". [3]

وهكذا فإن الخطأ الذي يسببه التأويل مما لا يكفَّر به المسلم، لأن الحكم بكفره مبني على الجزم بتعمده جحد ما جحد من الدين، وعدم خطئه، و"قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطؤوا، ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم، لأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلا الله تعالى". [4]

ثانيًا: أقوال العلماء في العذر بالتأويل

ولما سبق فإن أهل العلم والبصيرة ما فتئوا يعذرون من وقع في بعض المكفرات وهو متأول، وأطبق على ذلك جمهورهم، ومنه:

قول الشافعي:"ذهب الناس في تأويل القرآن والأحاديث أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها، فتباينوا فيها تباينًا شديدًا، واستحل فيها بعضهم من بعض ما تطول حكايته، وكان ذلك منهم متقادمًا، منه ما كان في عهد السلف وبعدهم إلى اليوم، فلم نعلم أحدًا من سلف هذه الأمة يقتدى به"

(1) إيثار الحق على الخلق (388) .

(2) مدارج السالكين (1/ 338 - 339) .

(3) إيثار الحق على الخلق (394) .

(4) المصدر السابق (393) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت