الصفحة 51 من 102

أقصِر. فوجده يومًا على ذنب فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي. أبعثت علي رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة.

فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا؟ أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لَتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته )) . [1]

قال ابن أبي العز الحنفي:"وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معيَّن أن الله لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت ... ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدًا مخطئًا مغفورًا له، [ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص] ، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله". [2]

يقول ابن القيم:"والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا، فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب". [3]

والقول بلزوم تحقق الوعيد في كل أحد قول أهل البدع، يقول ابن أبي العز:"البدع هي من هذا الجنس، فإن الرجل يكون مؤمنًا باطنًا وظاهرًا، لكن تأول تأويلًا أخطأ فيه، إما مجتهدًا، وإما مفرطًا مذنبًا، فلا يقال: إن إيمانه حبط لمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قول"

(1) رواه أبو داود ح (4901) ، وحسنه الألباني في شرح العقيدة الطحاوية (364) .

(2) شرح العقيدة الطحاوية (318 - 319) .

(3) طريق الهجرتين (610 - 611) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت