لكن قاتله من لا نظير له وكان يدعى أبوه بيضة البلد (1) وانتبه يوما معاوية ، فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره ، فقعد ، فقال له عبد الله يداعبه: يا أمير المؤمنين ، لو شئت أن أفتك بك لفعلت ، فقال: لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر ، قال: وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبى طالب ! قال: لا جرم إنه قتلك وأباك بيسرى يديه ، وبقيت اليمنى فارغة ، يطلب من يقتله بها .
وجملة الامر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي ، وباسمه ينادى في مشارق الارض ومغاربها .
* * * وأما القوة والايد: فبه يضرب المثل فيهما ، قال ابن قتيبه في"المعارف": (2) ما صارع أحدا قط إلا صرعه .
وهو الذى قلع باب خيبر ، واجتمع عليه عصبه من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه ، وهو الذى اقتلع هبل من أعلى الكعبة ، وكان عظيما جدا ، وألقاه (3) إلى الارض .
وهو الذى اقتلع الصخره العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها ، وأنبط (4) الماء من تحتها .
وأما السخاء والجود: فحاله فيه ظاهرة ، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده ، وفيه أنزل"ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ."
إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" (5) ."
وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا ، وبدرهم علانية ، فأنزل فيه:"الذين"
(1) بيضة البلد ، يريد علي بن أبي طالب ، أي أنه فرد ليس مثله في الشرف كالبيضة التي هي تريكة وحدها ، ليس معها غيرها ، كذا فسر في اللسان .
(2) المعارف ص 90 (3) ب:"فألقاه".
(4) ب:"فأنبط".
(5) سورة الانسان 9 ، 10 .