[فإذا ] 86 كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لابد أن يبينها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيانًا عامًا ، ولابد أن تنقل الأمة ذلك ، فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب ، فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما بين الإفطار بغيره ، فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن ، والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ وينعقد أجسامًا ، والدهن يشربه البدن ويدخل إلى داخله ويتقوى به الإنسان ، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة ، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز [تطيبه وتبخره] 87 وادهانه ، وكذلك اكتحاله .
وقد كان المسلمون في عهده - صلى الله عليه وسلم - يُجْرَح أحدهم إما في الجهاد وإما في غيره مأمومة وجائفة ، فلو كان هذا يفطِّر لبين [ لهم ] 88 ذلك ، فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطرًا .
الوجه الثالث: إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحًا ، وذلك إما قياس [ علةٍ بإثبات ] 89 الجامع ، وإما بإلغاء الفارق ، فإما أن يدل دليل على العلة في الأصل [ فيعدى بها ] 90 إلى الفرع ، وإما أن يعلم ألا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع ، وهذا القياس هنا منتفٍ .
وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المُفَطِّر الذي جعله الله ورسوله مُفَطِّرًا هو ما كان واصلًا إلى دماغ أو بدن ،
خلافا لمن قال إن ما وصل إلى الدماغ أو وصل إلى الجوف بأي طريق فهو مفسد للصوم .
أو ما كان داخلًا من منفذ ،
كالعين مثلا أو الأذن تنفذ إلى الحلق
أو واصلًا إلى الجوف .
كالجائفة
ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله ،
يعني أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن ذلك مناط الحكم عند الله ورسوله .
ويقولون: إن الله ورسوله إنما جعلا الطعام والشراب مفطرًا لهذا المعنى المشترك [ من ] 91 الطعام والشراب