وفي (1)
(1) وفي الحديث:"الدعاء مخ العبادة"، وفي لفظ آخر:"الدعاء هو العبادة"، وقال سبحانه: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } ، فسمى الدعاء عبادة في قوله: { أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ } يعني عن دعائي . فالدعاء هو أن يضرع إلى الله يدعوه ، ويسأله النجاة ، ويسأله الرزق ، كل هذا عبادة . فإذا صرفها للصنم أو للشجر أو للحجر أو لميت ، صار مشركا بالله عز وجل فيجب الحذر من الشرك كله ، دقيقه وجليله ، وأن تكون العبادة لله وحده . لكن دعاء الحي الحاضر القادر ، والاستعانة به في الشيء المقدور عليه ، لا بأس به ولا يعتبر داخلا في الشرك ؛ فلو قلت لأخيك الحاضر: يا عبد الله ! أعنّي على قطع هذه الشجرة أو على حفر هذه البئر ؛ فلا بأس بذلك كما قال سبحانه في قصة موسى: { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } الآية . استغاثة الاسرائيلي على القبطي ؛ لأن موسى قادر على إغاثته ، يتكلم ويسمع . أما إذا اعتمد على المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله حاضرا أو غائبا أو ميتا ، واعتقد أنه ينفع من دعاه أو يضر لا بالأسباب الحسية من الشرك بالله . كما قال تعالى عنهم أنهم قالوا: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ } ، فيظنون أنهم يستطيعون بعبادتهم إياهم أن يشفعوا لهم عند الله في حصول مطالبهم أو أنهم يقربونهم إلى الله زلفى . كما قال الله سبحانه عنهم في الآية الآخرى: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى } . وهذا من جهلهم وضلالهم بالشافع والمشفوع إليه . والله سبحانه له الشفاعة جميعا ، وهو الذي يتصرف في عباده كيف يشاء ، فلا يأذن بالشفاعة إلا فيمن يرضى الله عمله ، ولا يشفع أحد عنده إلا بعد إذنه ، كما قال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } ، وقال تعالى: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } ، فالشفاعة لا تكون إلا بإذنه للشافع ، ورضاه عن المشفوع فيه . وهو سبحانه لا يرضى بالشفاعة إلا لأهل التوحيد ، كما صحَّ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال ـ لما سأله أبو هريرة قائلا: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ ـ قال:"من قال: لا إله إلا الله خالصًا مِن قلبه" [ أخرجه البخاري في صحيحه ] . ولا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضى قوله وعمله من أهل التوحيد والإيمان .