وقوله تعالى (1)
(1) وقال سبحانه: { إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ } ، يعني إن ربكم أيها العباد من الجن والإنس هو الله . وربكم يعني خالقكم ، وهو معبودكم الحق وحده لا شريك له: { الَّذِي خَلَقَ السًّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ؛ أي ثم ارتفع على العرش ، وعلا فوقه سبحانه وتعالى ، فعلمه في كل مكان وهو فوق العرش ، فوق جميع المخلوقات ، والعرش سقف المخلوقات وهو أعلى المخلوقات ، والله فوقه جل وعلا ، استوى عليه استواء يليق بجلاله لا يشابه خلقه في شيء من صفاته . قال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ، وقال تعالى: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } . وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ، أي يغطي هذا بهذا وهذا بهذا ، { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } ؛ أي سريعا ، وكل واحد يطلب الآخر ، إذا انتهى هذا ؛ دخل هذا ، وهكذا .. حتى تقوم الساعة . { وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } : أي وخلق الشمس والقمر والنجوم خلقها مسخرات بأمره ، مطيعات مذللات لأمره سبحانه . ثم قال سبحانه: { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } ، فالخلق له والأمر له هو الخلاق الذي لا يخالف أمره الكوني الذي هو نافذ في الناس كما قال تعالى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } . وقوله: { وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } ، فأمر الله الكوني القدري لا راد له ، ولهذا قال: { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } . فـ { تَبَارَكَ } : يعني بلغ في البركة النهاية ، وهي صيغة لا تصلح إلا لله ، فلا يقال للعبد تباركت يا فلان ، هذا لا يصلح ، وإنما هو خاص بالله كما قال تعالى: { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ } ، وإنما يقال للمخلوق بارك الله في فلان ، أو فلان مبارك ، أما تباركت ؛ فإنها لا بصلح إلا لله وحده .