كذلك أيضًا الفارس أو المقاتل الفاتح العظيم الذي هو قتيبة بن مسلم لما خلع طاعة سليمان بن عبد الملك حصل أنه قوتل حتى قتل، وقال ابن كثير إنه ينطبق عليه الحديث أن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، ولكن ترحّم عليه؛ لأنه كان له جهد في الجهاد، وفتح الكثير من البلاد، بلاد السند وما وراء النهر.
وهكذا ابن المهلب لما خلع أيضًا الطاعة، وحاول أن يستبد بالأمر، حصلت فتنة.
وهكذا في آخر عهد بني أمية خرج زيد بن علي بن الحسين وحاول أن يتم له الأمر، فقتل وقتل من معه واضطهدوا.
وكذلك في خلافة المنصور خرج اثنان من العلويين، وهما محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه العباس وكل منهما بايعه خلق كثير، ثم قُتلوا.
وبكل حال، فلا يجوز الخروج على الأئمة، لما يحصل بذلك من الإذلال والإهانة لأهل الخير، ومعلوم أن الأئمة في أيديهم الولاية فتجب طاعتهم إلا في المعصية، ويحرم الخروج عليهم إلا لما قاله النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: « إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان » [1] . وقال، لما قيل: ألا نقاتلهم؟ قال: « لا ما أقاموا فيكم الصلاة » [2] .
فمتى كانوا يقيمون الصلاة ويُظهرون شعائر الإسلام؛ ولو حصل منهم خلل أو نقص، أو لوحظ على بعضهم شيء من المعاصي والتقصير، فإن ذلك لا يسبب الخروج عليهم.
(1) أخرجه البخاري برقم (7056) في الفتن، باب: قول النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: « سترون بعدي أمورًا تنكرونها » . ومسلم برقم (1841) ، في الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء من غير.. عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ.
(2) أخرجه مسلم برقم (1480) ، عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ.