وقد حصل لابن دقيق العيد موقف مشابه لموقف شيخه العز ابن عبد السلام، فإن السلطان محمد بن قلاوون أراد أن يجمع المال من الناس لأجل حرب التتار ولو بالقرض، وهذا شبيه بما فعله قطز من قبل مع العز بن عبد السلام، فجمع السلطان محمد بن قلاوون العلماء؛ ليحظى بتأييدهم في هذا الأمر.
فقال له ابن دقيق العيد: لا يمكن أن تأخذ الأموال من الناس إلا بعد أن تجمع الأموال من السلاطين، والأمراء، ومن نسائهم، حتى قال له: إن من أمرائكم من جهز ابنته لتزف إلى زوجها، وعمل بحفلها الجواهر، واللآلئ، والحلي الفاخرة، وجعل معها الأواني من الذهب والفضة، وإن منكم من رَصّع مداس زوجته بالجوهر، فإذا أتيت بهذه الأموال ولم تكف ننتقل إلى أموال الرعية.
إذن القضية هي تربية العزّ التي تلقَّاها مِنْ مشايخه من أمثال: ابن عساكر وعبد الصمد الحرستاني، ومن ثم أدّى الأمانة وسلّم الراية إلى من بعده كابن دقيق العيد وغيره من التلاميذ.
المبحث العاشر
فائدتان عظيمتان من حياة العز
وأختم الحديث عن العز.بن.عبد.السلام - رحمه الله - بذكر فائدتين مهمتين من حياته.
وهاتان الفائدتان من المصلحة أن يعرفهما كل من يدرس حياة العز.بن.عبد.السلام، وما يتعلق بمواقفه البطولية الجهادية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الفائدة الأولى: طلبه للعلم في الكبر:
قد يظن بعض الناس أن هذا العالم الجليل قد طلب العلم في صغره، وهذا غير صحيح فقد كان جاهلًا أول أمره، وكبرت سنُّه وما تعلم، وهذا عبرة لمن كبروا ولم يتعلموا.