فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 30

رجع العز.بن.عبد.السلام وبدأ المماليك يحاولون معه ليغيّر رأيه؛ إذ كيف يباعون بالمزاد العلني، فأرسل إليه نائب السلطنة -وكان من المماليك- بالملاطفة فلم يفد معه هذا الأسلوب، فاقترح بعضهم قتل العز.بن.عبد.السلام، فذهب نائب السلطنة ومعه مجموعة من الأمراء، ثم طرق باب العز.بن.عبد.السلام، وكانت سيوفهم مصلتةً يريدون أن يقتلوه فخرج ولد العز.بن.عبد.السلام -واسمه عبد اللطيف-، فرأى موقفًا مهيبًا مخيفًا، فرجع إلى والده وقال: يا والدي انجُ بنفسك.. الموت، الموت، قال: ما الخبر؟ قال: الخبر كيت، وكيت.

فقال العز.بن.عبد.السلام لولده: يا ولدي، والله إن أباك لأحقر وأقل من أن يقتل في سبيل الله - عز وجل -.

ثم خرج مسرعًا إلى نائب السلطنة، فلمّا رآه نائب السلطنة يبست أطرافه، وتجمّد وأصابته حالة من الذعر والرعب، وأصبح يضطرب وسقط السيف من يده، واصفرَّ وجهه، وسكت قليلًا ثم بكى وقال: يا سيدي، خبِّر ماذا تعمل؟ قال العز: أنادي عليكم وأبيعكم. قال: تقبض الثمن؟ قال: نعم. قال: أين تضعه؟ قال: في مصالح المسلمين العامة، فطلب منه الدعاء وبكى بين يديه ثم انصرف.

وفعلًا فَعَلَها العز.بن.عبد.السلام - رحمه الله - قام وجمع هؤلاء، وأعلن عنهم، وبدأ يبيعهم، وكان لا يبيع الواحد منهم إلا بعدما يوصله إلى أعلى الأسعار، فلا يبيعه تَحِلَّةَ القسم، وإنما يريد أن يزيل ما في النفوس من كبرياء، فكان ينادي على الواحد بالمزاد العلني، وقد حكم مجموعة من العلماء والمؤرخين بأن هذه الواقعة لم يحدث مثيل لها في تاريخ البشرية كلها (1) .

إن جميع الأمم على مدى تاريخ البشرية جمعاء إذا أتوا يفاخروننا، فإننا نفاخرهم بأئمة أفذاذ من أمثال العز

ابن عبد السلام، هاتوا لنا شخصية فكرية في الأمم كلها تقف مثل هذا الموقف؟

(1) نظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/217) ، وقال السبكي تعليقًا على هذه الواقعة:"وهذا ما لم يُسْمَع بمثله عن أحد، - رحمه الله - ورضي عنه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت