وَأَمَّا الضَّعِيفُ: فَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَا لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ صِفَاتُ الصَّحِيحِ ، وَلا صِفَاتُ الْحَسَنِ ، وَقَدْ سَمَّوْهُ بِاعْتِبَارِ مَنْشَأِ الضَّعْفِ فِيهِ ، إِمَّا فِي سَنَدِهِ ، أَوْ فِي مَتْنِهِ .
وَتَرَتَّبَ عَلَى هَذِهِ الْجُهُودِ ثِمَارٌ ، كَانَ مِنْ أَبْرَزِهَا مَا يَلِي:
أَوَّلًا: تَدْوِينُ السُّنَّةِ
قَدَّمْنَا أَنَّ السُّنَّةَ لَمُ تُدَوَّنْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، كَمَا دُوِّنَ الْقُرْآنُ الْكَرِيْمُ ، إِنَّمَا كَانَتْ مَحْفُوظَةً فِي الصُّدُورِ نَقَلَهَا صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى التَّابِعِينَ مُشَافَهَةً وَتَلْقِينًَا ، وَإِنْ كَانَ عَصْرُ النَّبيِّ لَمْ يَخْلُ مِنْ كِتَابَةِ بَعْضِ الْحَدِيثِ . وَلَقَدْ انْقَضَى عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَلَمْ تُدَوِّنْ فِيهِ السُّنَّةُ إِلاَّ قَلِيلًا ، إِنَّمَا كَانَتْ تَتَنَاقَلُهَا الأَلْسَنُ . نَعَمْ لَقَدْ فَكَّرَ عُمَرُ - رضي الله عنه - فِي تَدْوِينِ السُّنَّةِ ، وَلَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ . وَتَكَادُ تُجْمِعُ الرِّوَايَاتُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ فَكَّرَ بِالْجَمْعِ وَالتَّدْوِينِ مِنَ التَّابِعِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، إذْ أَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بْنِ حَزْمٍ عَامِلِهِ وَقَاضِيهِ عَلَى الْمَدِينَةِ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاكْتُبْهُ ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ .
وَطَلَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَا عِنْدَ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيَّةِ (ت98هـ) ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ (ت106هـ) .